معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٠٧

وذهب المعتزلة، إلى أن الأمر يستلزمه الإرادة، بمعنى أن كل ما أمر الله به فقد أراده، وأن النهي يستلزم عدم الإرادة، فجعلوا إيمان الكافر مرادا لله تعالى لكونه مأمورا به وكفره غير مراد له لكونه منهيا، ونحن نعلم أن الشيء قد لا يكون مرادا ويؤمر به وقد يكون مرادا وينهى عنه لحكم ومصالح يحيط بها علم الله تعالى وأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ 24 ألا ترى أن السيد إذا أراد أن يظهر عند الحاضرين عصيان عبده، يأمره بالشيء ولا يريده منه، وأنكروا إرادة الله تعالى الشرور والقبائح حتى أ، ه أراد من الكافر والفاسق إيمانه وطاعته، لا كفره ومعصيته زعما منهم أن إرادة القبيح قبيحة كخلقه وإيجاده، ونحن نمنع ذلك، بل القبيح كسبه القبيح، والاتصاف به، فعندهم يكون أكثر ما يقع من أفعال العباد على خلاف إرادته تعالى، فوقعوا بذلك فيما هو أشنع مما فروا منه، فإنه حكي عن عمرو بن عبيد صاحب واصل بن عطاء أنه قال: ما ألزمني أحد مثما ألزمني مجوسي، كان معنا في سفينة، إذ قلت له لم لا تسلم فقال: إن الله تعالى لم يرد إسلامي، ولو أراده لأسلمت، فقلت له: إن الله سبحانه أراد إسلامك ولكن الشياطين لا يتركونك، فقال المجوسي: فأنا أكون إذا مع الشرك الأغلب.

وكذا حكي أيضا عن القاضي عبد الجبار الهمداني أنه دخل على الصاحب بن عباد، وعنده أبو إسحاق الاسفراييني من الأشاعرة، فلما رآه عبد الجبار قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء فقال الأسفراييني على الفور: سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء، قال عبد الجبار أفيريد ربنا أن يعص؟ قال الأسفراييني: أفيعص ربنا كرها (مغلوبا) فقال عبد الجبار: أرأيت إن منعني طريق الهدى وسلك بي طريق الردى، أحسن إلي أم أساء؟