الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٥٩قال: وإذا ثبت هذا، فنقول: إن الكتب الإلهية أطبقت على اعتقاد الوحدة لله تعالى، والإقرار بها وتقرير ذلك: أن يقال: ك إذا حدث حادث ما، واستحال وجوده بدون استناده إلى واجب بذاته حسي غني عالم قدير مريد، فقد ثبت وجوده، فإذا أظهر الرسول عليه السلام معجزة على أنه رسوله، ن وأثبت صدقه بتصديقه له فقد ثبت صدقه، فإذا أخبر بأن لا إله غيره، ولا خالق سواه فقد ثبت الوحدانية، واعترضه بعضهم بأنا لا نسلم أن العلم صحة النبوة لا يتوقف على ذلك، وبيانه، أن القائل أنه رسول، إذا ادعى الرسالة وأقام الخارق على صدقه، فلا يدل وجود الخارق على صدقه، ما لم يتحقق أن هذا الفعل الذي جاء به لا يقدر عليه غير مرسله، ليكون فعله مطابقا لتحويله وسؤاله نازلا منزلة قوله؟ صدقت، فإن لم يكن لنا علم بنفي فاعليه غيره فلا يعلم أنه فعله، فلا يتم ذلك إلا بعد إثبات أن هذا الخارق، كأحياء الموتى مثلا، لا يفعله غير الله عز وجل، وذلك يتوقف على إثبات الوحدانية.
نعم أي القرآن مرشدة إلى وجه الاستدلال العقلي على الوحدانية، كقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ 34 وكقوله: ﴿ … إِذاً لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ 35، والآية الأولى، كاشف لوجه الاستدلال على أبطال الهين عامي القدرة، والإرادة، والعلم، وسائر يقضي إليه الصفات، لما يقضي إليه من الفساد والتمانع من وقوع الممكنات، والثانية مرشدة إلى أبطال قول من يدعي فاعلين، يقدر كل منهما على ما لا يقدر الآخر، كما قالت الثنوية بتمييز فاعل الخير وفاعل الشر، فإن كل واحد منهما يذهب بما خلق، ويلزم علو كل واحد منهما على الآخر، للإستغاء عنه بما يفعله الآخر فيكون عاليا عليه بذلك،