الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٦ولم يجبروا عليها، ولم يضطروا إليها، وقد أختلف في أحد الفعل، من حيث هو فعل، وأصح الأقوال فيه على قاعدة أصحابنا، ومن وافقتهم فيه، أنه عرض يوجد مع الاستطاعة، وهذه المسألة مترجمة بمسألة الكسب، وهى، من غوامض علم الكلام، والحق أن العبد لا بخلق أفعاله، وإنما هو مكتتسب لها ضرورة تعلق التكليف بها، فانا نعلم بالبرهان أن لا خالق سوى الله تعالى، ونعلم بالضرورة أن القدرة الحادثة للعبد تتعلق ببعض أفعاله، كالصعود دون البعض كالسقوط، فيسمى أثر القدرة الحادثة كسبا، وان لم نعلم حقيقته وقيل بالمراد وقيل بالمراد بكسبه إياه، مقارنته لقدرته، وإرادته، من غير أن يكون هناك منه تأثيرا ومدخل في إيجاده، سوى كونه محلا له، فالكسب لا يوجب وجود المقدور، وأن أوجب اتصاف الفاعل بذلك المقدور ولأجل اتصافه به كان مرجفا لاختلاف الإضافات، ككون الفعل طاعة أو معصية حسنا أو قبيحا، فان الاتصاف بالقبيح بالقصد والإرادة قبيح، بخلاف خلق القبيح فانه لا ينافى المصلحة الحميدة، بل ربما اشتمل عليهما، وحقيقته أنه قد ثبت أن الخالق حكم فلا يخلق الأشياء إلا وله فيها عاقبة حميدة، وان لم نطلع عليها فوجب الجزم بأن ما عسى أن يتوهم فيه القبيح من أفعاله تعالى قد يكون له فيه حكم ومصالح كما في خلق الأجسام الخبيثة الضارة المؤله، بخلاف الكاسب فأنه قد يفعل الحسن، وقد يفعل القبيح، فجعلنا كسبه القبيح بعد ورود النهى عنه قبيحا سفها موجبا لاستحقاق الذم والعقاب عليه.
لا يقال، قد قام البرهان على وجوب استقلاله تعالى بخلق الأفعال، والمقدور الواحد لا يدخل تحت قدرتين كما يستلزم إثباتكم للعبد مع خلق الله فعله كسبه.