الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨١«المقصد السادس»
قد علمت مما مر من البرهان القطعي، على إسناد الحوادث كلها للباري سبحانه، وأنه لا تأثير لما عداه جملة وتفصيلا في شيء منها وذلك كان في رد ما ذهبوا إليه من التولد ولا بأس علينا أن نشير إلى بعض اللوازم، التي تلزمهم، فمنها وجود أثر عن مؤثرين، هما القدرة الحادثة، ومقدورها الذي هو السبب المولد، لأنهم ادعوا أن الحادث واجب عند سببه المولد ومقدوره للفاعل بالقدرة الحادثة، ومنها وجود الفعل بلا فاعل، وبدون إرادة، وشعور بالفعل فإن من رمي سهما واختر منه المنية قبل وصوله إلى الرمية، ثم اتصل بها.
وصادف حبا فإنه يحصل به جرح، ولا يزال متألما إلى أن يفضي إلى الزهوق مثلا، وهذه السريات والآلام أفعال الرامي، وقد بليت عظامه ولا مزيد في الفساد على نسبة قتل إلى الميت مع انتفاء مصححات الفعل من ميت، وإلا لبطلت دلالة الفعل على كون الفاعل حيا ثم وجود الفعل حال عدم الفاعل، يمنع أيضا الاستدلال بوجود الحوادث على وجود الصانع، وإن قالوا الفعل يدل على فاعل ولا يلزم منه وجود الفاعل حالة وجود فعله.
فالجواب أنه لا بد من إضافة الفعل إلى الفاعل، ويمتنع صدوره مضافا إليه في حالة امتناع كونه فاعلا، إذ الصدور منه يقتضي صحة ذلك، والامتناع ينافي الصحة، ومما يلزمهم أيضا أن يكون الموت المستعقب للآلام متولدا عن فاعل الألم، فإن نسبة تعقب الآلام، المتوالية المتعاقبة إلى فعله كنسبة تعقب الموت له، وهذا الإلزام كما قيل لا يتأتى منهم دفعه، ولم يتأت للجبائي أن ينفصل عنه، إلا بالتحاسر على خرق إجماع الأمة، فقد نسب الموت إلى فاعل الألم، والأمة قد أجمعت