معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٨٦

«المقصد السابع»

قد أسلفنا أن الله سبحانه وتعالى خلق العباد، وخلق أعمالهم، وخلق الثواب عليها، من غير أن يجب عليه تعالى مراعات الصلاح والأصلح لهم، وإلا لوجب أن لا يكون تكليفا ولا محنة دنيوية ولا أخروية، والأفعال كلها خيرها وشرها نفعها وضرها مستوية في الدلالة على باهر قدرته وسعة علمه ونفوذ إرادته، ولا يتطرق لذاته تعالى من ذلك كمال ولا نقص كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما كان عليه، فأكرم سبحانه من شاء بمالا يكيف من أنواع القيم بمجرد فضله لا لميل غليه، أو قضاء حق واجب له عليه، وعدل فيمن شاء بمالا يطاق وصفه من أوصاف الجحيم لا لشفاء غيظ ولا لضرر ناله من قبله، وإنما الأفعال دلالات لنا على وجوده سبحانه، على ما تقرر، ولو وجب عليه مراعات صلاح العبد لما كلفه، ولا مراعاة الأصلح له، وإلا لما خلق الكافر الفقير لأن الأصلح له لا يخلق حتى لا يكون معذبا في الدنيا والآخرة وأيضا الأصلح للعباد أن يخلقهم في الجنة.

وبالجملة فلو وجب عليه مراعاة الأصلح لما وجدت محنة أصلا، وقد مرة مناظرة الأشعري مع الجبائي في ذلك، وإذا عرفت استواء الأفعال بالنسبة إلى الله تعالى وأنه مختار في جميعها، لا يجب عليه شيء منها وجوبا عقليا، وما يوجد في عبارات أصحابنا من وجوب الثواب والعقاب فهو وجوب بمقتضى حكمته علمت استحالة أن يكون فعله تعالى لغرض، لأن لو كان له غرض في الفعل لما وجب عليه وإذا لم يكن الغرض علة له، فيكون مفهوما كيف؟ ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ 44 وأيضا فالغرض إما قديم فيلزم قدم الفعل، وقد سبق برهان حدوثه أو حادث، فيفتقر إلى غرض آخر ويتسلسل فيؤدي إلى حوادث لا أول لها وقد