الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٨لا الباعث له تعالى على الحكم، وكذا ما يوجد في الكتاب والسنة موهما للتعليل بالأعراض، كقوله تعالى ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ 46فإنه يؤول بجعل اللام للصيرورة والعاقبة مثلها في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ 47، أو يجعلها من قبيل الاستعارة بالتبعية على ما تقرر في محله، وشبهة المعتزلة القابلين بثبوت الأغراض الموجبة للأفعال والأحكام، إن قالوا، لو كان الفعل والحكم واقعا بغير غرض للزم السفه والعبث ممن صدر منه، لكنه تعالى حكيم يستحيل عليه ذلك، فيستحيل أن يفعل أو يحكم إذا لا لغرض، قلنا، الملازمة ممنوعة، لأن السفه في العرف، عبارة عن الجهل بالمصالح وخفة العقل، حتى أن السفيه ليفعل ما يضر به أو يهلكه حالا ومآلا وهو لا يشعر، أو يشعر ولكنه لجهله وخفة عقله يرجح المرجوح عن قضاء لذة خالية لإبقاء لها مثلا، على عقوبات عظيمة دائمة، وأما العبث فيطلق في العرف على فعل الشيء مع الذهول وعدم القصد، وهذا كله لا تلازم بينه وبين نفي الغرض، لأنا نقول، لا غرض للبارئ سبحانه في الفعل، مع أن كلها جارية على وفق علمه وإرادته، لا يلحقه ضرر من قبلنا ولا يتجدد له كمال بفعلها، بل هو الغني في ذاته وكمالاته أزلا، وفيما لا يزال ثم الحكمة المنسوبة إليه تعالى عبارة عن علمه بالأشياء وقدرته على أحكامها وإتقانها، فهي تقتضي العلم والقدرة لا فعل الشيء لغرض.
وفي تعريف الحكمة والخلق، في أنها هل هي صفة أو فعل؟ كلام ذكرته في الشرح، وإذا فهمت هذا في أفعاله تعالى فافهم مثله في أحكامه فإنها أيضا جارية على وفق علمه لا يتطرق إليه من قبلها نقص، كيف ما وجهه على عبيده، وإن فسرت المعتزلة السفه والعبث بنفي الغرض سلمنا