الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٨٩الملازمة ومنعنا الاستثنائية، وغاية الأمر أنا نمنع على هذا التقرير إطلاق هذين اللفظين، بالنسبة إليه تعالى لأنها معنى يستحيل في حقه تعالى، وهو ما ذكرناه من أنهما يدلان عليه عرفا، لا لما ذكروه من دلالتهما على نفي الغرض.
تنبيه: اعلم أن المعتزلة أوجبوا على الله تعالى مراعاة الصلاح والأصلح للعباد، وأوجبوا اللطف أيضا، وهو خلق الشيء الذي يوجب للمكلف ترجيح جانب الطاعة من غير أن ينتهي إلى حد الإلجاء، وأوجبوا كمال عقل من يريد تكليفه وإقداره وإزاحة العلل التي تمنعه من أداء ما كلف به عنه، حتى أنه لو أخل بذلك لكانت لهم خصومته ومطالبته بحقهم، يتعالى مولانا عن ذلك، ولقد صدق فيهم قوله صلى الله عليه وسلم: «القدرية خصماء الله في القدر» والعقل والنقل يكذبان ما ذهبوا إليه كما علمت.
«المقصد الثامن»
فحين ما علمت أن الأفعال كلها مستندة إلى الله تعالى، ابتداء من غير واسطة لا تأثير لغيره في شيء منها، علمت أن الأفعال كلها مستوية بالنسبة إليه، لا يتصف بعضها بالحسن من حيث ذاته أو صفته، ولا بعضها بالقبح كذلك، فلا مجال للعقل إذن في إدراك حكم شرعي لها، إذ لا سبب له على ما عرفت، فليس الحسن شرعا إلا ما قيل فيه أفعلوه، ولا القبيح إلا ما قيل لا تفعلوه، على ما مر، وقالت المعتزلة، إن الأفعال الاختيارية حسنة وقبيحة من جهة العقل، وأن منها ما يدركه العقل بالضرورة، كحسن الصدق النافع والإيمان، وقبح الكذب الضار والكفران، ومنها ما يدركه العقل بالنظر كحسن الصدق