الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٠الضار، وقبح الكذب النافع، ومنها ما لا يهجم على إدراكه إلا بإخبار من الشرع، كحسن صوم آخر يوم من شهر رمضان، وقبح صوم أول يوم من شوال، وقضوا أن الشارع في هذا النوع مخبر من حال المحل لا أنه منشئ فيه حكما قالوا، كالحكيم الذي يخبر أن هذا العقار حار أو بارد مثلا.
ثم اختلفوا، فذهب القدماء منهم إلى أن الأفعال حسنة وقبيحة لذاتها، وقال قوم منهم لصفة لازمة كالصوم المشتمل على كسر الشهوة المفضي إلى عدم المفسدة، وكالزنا المشتمل على اختلاط الإنسان المفضي إلى ترك تعاهد الأولاد، وفرق قوم بين القبيح والحسن فقالوا: القبيح قبيح لصفته، والحسن حسن لذاته، وحجتهم أن الذوات كلها مستوية، والتميز إنما هو بالصفات، فلو قبح الفعل لذاته لزم قبح فعله تعالى، وقال الجبائي وأتباعه، العقل يحسن ويقبح لوجه واعتبار، كضرب اليتيم يحسن ‘ن كان للتأديب ويقبح، إن كان لغيره، والرد على الجميع، ما مضى من كونه الأفعال لا تأثير للعباد في شيء منها حتى يحسن عقلا طلبها منهم، والنهي عنها، وإنما مرجع الأحكام الشرعية إلى بين كون تلك الأفعال إمارة على ما جعلت عليه ممن ثواب أو عقاب، أو عدمها على ما مر، ولو اتصف الفعل بالحسن والقبيح لذاته أو لصفة لازمة لما كلف الله الكافر بالإيمان، والتالي باطل بالإجماع.
وبيان الملازمة، أنه تعالى علم أن الكافر لا يؤمن، فتكليفه الإيمان تكليف بالمستحيل، وهو عنده قبيح، وأيضا لو كان الفعل حسنا أو قبيحا لذاته أو لصفة لازمة، لما اختلف بأن يكون تارة حسنا وتارة قبيحا، وإلا اجتمع النقيضان في قول القائل لأكذبن غدا صدق أو كذب،