معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩٢

تعالى واجب، من غير أن يتوقف في ذلك على مجيء مشرع، لأن معرفته تعالى، ومعرفة كونه منعما، يدركهما العقل بدون الشرع، وكذا يدرك بدونه حسن شكر المنعم وقبح كفرانه، فيدرك إذا وجوب الشكر، وتحريم الكفران بدون الشرع، فيقال لهم، هذا الشكر لوجوب قبل الشرع لكان له فائدة، إذ لا فائدة له ليس بحسن حتى يجب، لكن ثبوت الفائدة قبل مجيء الشرع باطل، لأن الفائدة فيه إما أن ترجع إلى العبد الشاكر، أو إلى الرب المشكور، وعودها إلى العبد أما في العاجل أو في الآجل، والأقسام كلها باطلة، أما بطلان عودها إلى العبد عاجلا، فلأن إنما يحصل له في العاجل التعب فقط، وأما بطلان عودها إليه آجلا، فلأن العقل لا مجال له قبل مجيء الشرع في شيء من أمور الآخرة إجماعا، وأما بطلان رجوعها إلى الرب تعالى فالتعاليه عز وجل عن أن يتجدد له كمال، بل هو بذاته الغني عن الخلق وأعمالهم، فهذا الوجه من النظر العقلي، يدفع وجوب الشر، ويعارض الوجه الذي أوجبه عندهم، وهو إدراك كونه تعالى.

منعما فإن قالوا لا نسلم به، ليس في الشكر فائدة قبل الشرع، بل فيه فائدة للعبد وهي الأمن من العقوبة التي يحتمل ثبوتها، على تقدير الإعراض عن الشكر، قلنا، وكذلك يحتمل أن يعاقب على فعل الشكر من وجهين.

الأول: أنه أتعب فيه الذات المملوكة لله تعالى وتصرف في ذلك بغير إذنه، فصار كمن شكر ملكا أوصل له نعمة بأن يتعب عبد الملك في أداء شكرها بغير إذنه، فلا إشكال أنه قد تعرض بنفسه يشكر الملك على هذا الوجه للعقوبة.