الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٣الثاني: أنه أمر اعطاه ملك جواد في غاية الجود، كسرة صغيرة من خبز الشعير مثلا، وله من خزائن أنواع الأطعمة وأجناس الأموال ما لا نهاية له ولا تنقض بما يعطي منها، ثم صار ذلك الفقير المحتاج بذكر الملك ويثن عليه في المحافل على إعطاء تلك الكسرة، فإنه يستحق العقوبة من الملك لاستهزائه به واستصغاره قدره جبن بمدحه بما لا خطر له عنده، ولا شك أن نعيم الدنيا والآخرة كلها بالنسبة إلى عظم قدرة الله تعالى وسعة ملكه وجلاله كلا شيء، فقد بان لك بهذا أن دخول العقل إلى أحكام الله تعالى في الأفعال بميزان التحسين والتقبيح، دخول بميزان مختل ينقلب صاحبه خاسئا وهو حسير.
فإن قلت، هذا كله مصادم لما قررت، أولا من مذهب أئمتك القائلين بما ذهبت إليه المعتزلة.
قلت، ما كونه مصادما له، فنعم، فإن هذا الذي قررته هنا، إنما هو مذهب جمهور أصحابنا وعليه الأشاعرة، وأما كون ما ذهب إليه بعض أئمتنا، هو عين ما ذهب إليه أهل الاعتزال فلا، فإنه قد مر جوابه هناك، للفرق الظاهر بين المذهبين، فإن مذهب المعتزلة أن الحاكم هو العقل، وأن الشرع تأكيد له ولا يرد بما يخالف العقل، وأما مذهب أولئك الأئمة فإن الحكم قبل ورود الشرع عندهم، إنما هو العقل، فبعد وروده فهو الأصل، وقد يرد بما يخالف العقل فحصل الفرق، ومما برهن به أيضا على نفي قاعدة التحسين والتقبيح العقليين أن نقول، كل من تساوت الأفعال بالنسبة إليه، فلا يحسن شيء ولا يقبح في حقه، والبارئ قد تساوت الأفعال بالنسبة إليه، ولا يحسن شيء ولا يقبح في حقه، فلأن الترجيح يستدعي ترجيح العقل على