الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤لا تنكره الاشاعرة كما مر، بل يقولون به ولا نزاع بيننا وبينهم في ذلك آنفا، وما يقولون هم من الكلام النفسي المغاير لسائر الصفات، فنحن ننكره، فصار محل النزاع بيننا وبينهم في نفي المعنى النفسي وإثباته، فإذا الأدلة الدالة على حدوث الألفاظ، إنما تفيدنا بالنسبة إلى الحنابلة القائلين بقدم الألفاظ، وأما بالنسبة إليهم فيكون نصبا للدليل في غير محل النزاع.
واستدل المعتزلة على نفي الكلام النفسي، بأن الأمر والخبر في الأزل، ولا مأمور ولا سامع فيه سفه، فكيف يتصور ثبوته للبارئ سبحانه؟ وأجيب بأن السفه المدعي إنما هو في اللفظ، وأما- كلام النفسي فلا سفه فيه- كطلب التعلم من أين سيولد، ورد بأن ما يجده أحدنا في باطنه هو العزم على الطلب وتخيله، وهو ممكن وليس بسفه، وأما نفس الطلب فلا شك في كونه سفها، بل قيل هو غير ممكن، لأن وجود الطلب بدون من يطلب منه شئ محال، ولهذا زيادة تحقيق، فاطلبه في المطولات عند تقسيم الأشعرية الكلام النفسي في الأزل إلى أمر ونهي وغيرهما، واضطرابهم واختلافهم فيه تقسيم التعلق إلى معنوي وتنجيزى، واكتفاء بعضهم في مسمى الأمر ونحوه بالتعلق المعنوي، وعدم اكتفاء بعض ذلك، وإنما أوجب تلك الحيرة القول بالكلام النفسي الذي اختصت به الأشاعرة، والاستدلال المذكور بما يأتي على أصول أصحابنا حيث منعوا أمرا ونهى في الأزل، وأجازوا فيه آمرا وناهيا، واستدلال النافون للكلام النفسي بوجوده.
الأول: أن القرآن ذكر، والذكر محدث، فيكون القرآن محدثا، دليل الصغرى ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ﴾ 2 الآية.
الثاني: قوله تعالى ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ﴾ 3 وإذ ظرف زمان ماض،