معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٤٣

فيلزم الانقلاب المنافي للحكمة الإلهية، فلا تستقر له عادة، وتبطل حينئذ فائدة اختصاص كل من الحواس بما طبقت عليه، فإن قلت: ما تنكر أن يكون الله تعالى قلب حقيقة تعلق الرؤية إذ ذاك، قلت: لا يخلو إما أن يكون ذلك القلب في آلة الإدراك، أو في المدرك، والثاني محال لأنه يلزم عليه الواجب تعالى عن ذلك، والأول مسلم وغير بعيد للخصم، إذ غايته أبطال الرؤية، التي هي المدعي، ومع بقاء الآلة على إدراكها الثابت لها، لا محيد فيه عن إثبات محال، ضرورة أن تلك الآلة حاسة فتقتضي محسوسا بها، وأياما كان فأما أن ترجع الرؤية إلى العلم وإما أن يلزم كونه تعالى مماثلا للحوادث، فإن الرؤية على ما سيأتي وعلى ما مر، معناها انطباع مثل صورة المدرك في العين وانبعاث الأشعة منها، فتفعل بالمرئي وعلى كل منهما يستلزم الجهة والمقابلة، ويشترط لها مع ذلك عدم القرب والبعد المفرطين، ولا تتصل تلك الأشعة إلا بالإجرام التي لها جهة ومقابلة على ما مر غير مرة، والله سبحانه منزه عن ذلك، ويسمى طرف الأشعة المتصلة بالمرئي قاعدة، والمتصل منها بالناظر، منبعث الشعاع وأن قاعدة الشعاع إذا لاقت جسما صقيلا لا تغرس فيه كالمرأة، لم ينبعث به، بل تنعكس إلى الرائي، فيرى فيها نفسه.

والقول، بأنه لو صح ما ذكر، لوجب أن لا يرى الإنسان إلا قدر حدقته، واللازم باطل فكذا الملزوم، قد تقدم جوابه، بأنا نمنع الملازمة، أو سند المنع أنه إنما يرى أكثر من حدقته، لأن أجزاء الهواء مضيئة فيصل الشعاع بها، وهي تتصل بالسماء مثلا، فتعين على الإبصار، فكما أن البلور إذا اتصل الشعاع به وهو جسم لطيف مضئ نتصل بما فيه، فيعين على رؤية ما فيه، ولا يرد النقض أيضا بالجوهر الفرد الذي أدعوه، وقالوا، لو صح ما قلتم، للزم رؤيته إذا كان في سمت الشعاع، فإنه