الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٨المشترك، ثم إلى الخيال فإذا أدرك البصر مثلا لونا وانتقل منه بسرعة إلى لون آخر، كان أثر الأول باقيا في الحس المشرك عند إدراك الثاني ووصول أثره إليه، فيمتزج الأثران هناك، فتراهما النفس لامتزاج أثرهما ممتزجين، ولا نقدر على تمييز أحدهما من الآخر، وأيضا لما وقع الشعاع البصري على تلك الألوان بأسرها في زمان قليل جدا، لم تتمكن النفس من التمييز، فتراها ممتزجة، ويرى المعدوم موجودا كالسراب، قيل هذا من اشتباه الشيء بمثله، فإن السراب ليس معدما مطلقا، بل هو شيء يتراءى للبصر بسبب ترجرج الشعاع البصري المنعكس عن أرضه سبخه، كما ينعكس عن الماء فيحسب لذلك ماء.
وما يريه صاحب الشعبذة مما لا وجود له في الخارج، لعدم تمييز النفس بين الشيء ومشابهه، إما بسبب سرعة الحركة من الشيء إلى شبهه، وإما بسبب إقامة البدل مقام المبدل منه بسرعة على وجه لا يقف عليه الأمن يعرف تلك الأعمال، وكالخط لنزول القطرة، بسبب السرعة وكالدائرة لإدارة الشعلة بسرعة ولا وجود لواحد منها، والسبب فيها أن البصر إذا أدرك القطرة والشعاع في موضع وأداها إلى الحس المشترك، ثم أدركها في موضع آخر قبل أن يزول أثرها عنه اتصلت هناك صورتها في الموضع الثاني بصورتها في الأول، فيرى كما مر ممتدا أما على استقامة أو على استدارة، وأيضا لما اتصل الشعاع بها في تلك المواضع، دفعة، فيرى لذلك خطا أو دائرة، ويرى المتحرك ساكنا وبالعكس، كالظل: يرى ساكنا وسببه أن البصر إذا أدرك الشيء في موضع محاذيا لشيء بعد ما أدركه في موضع آخر محاذيا لغير ذلك الشيء، حكمت النفس بالحركة.