الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٥٦" المقصد الخامس"
في دلالة المعجزة
أعلم أن دلالة المعجزة، لا يصلح أن يكون من جملة الأدلة السمعية، إذ يستحيل أن يثبت صحة الأدلة السمعية قبل ثبوت دلالة المعجزة، ثم اختلف في وجه دلالتها على ثلاثة أقوال، الأول: أنها عقلية، لأن خلق الله تعالى لهذا الخارق على وفق دعوى الشخص وتحديه مع العجز عن معارضته، وتخصيصه بذلك يدل على إرادته تعالى تصديقه كما يدل اختصاص الفعل كالبياض مثلا بالوقت المعين، والمحل المعين على إرادته تعالى ذلك بالضرورة، وبالجملة فقد جعلوا التصديق في هذا القول صفة للخارق الواقع على الوجه المخصوص، مع جواز يعري ذلك الخارق عن صفة التصديق، بانعدام شرط المعجزة، فصارت صفة التصديق للخارق والحادث كسائر صفات الأفعال الحادثة.
وقد علمت: أن اتصاف الحادث بصفة، بدلا عن نقيضها الجائز، يدل عقلا على إرادة الفاعل: وهو الباري تعالى بذلك، لما تقرر أن الطبيعة والعلة لا يخصصان جائزا بالوقوع، بدلا عن جائر يساويه، الثاني: أن دلالتها وضعية كدلالة الألفاظ بالوضع على معانيها، قالوا: لأن المواضعة قد تعرف بصريح يدل على التواضع، كما لو قال شخص لآخر: إن فعلت كذا فاعلم بذلك، قصدي في طلبك، ففعل ما وضعه عليه، فإن من وقعت منه المواضعة يفهم طلبه، على حسب ما وضعه عليه، وقد تعرف المواضعة بصريح من أحد المتواضعين، وبفعل من الثاني، من غير أن يسمع كلامه، فإذا قال شخص في محفل بمجلس ملك، وقد تآزر مجلسه بجميع، أنا رسول الملك إليكم، وأيتى أن يخرق الملك عادته، وهو بمرأى من الملك ومسمع منه، ثم قال: أيها الملك إن كنت صادقا في ذلك فاخرق عادتك، وقم، واقعد، فأجابه إلى