معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٥٧

لقيام والقعود، كان ذلك كالتصريح بالمواضعة، على أن خرق عادته بقيامه وقعوده، يدل على إرساله، وظاهر كلام جماعة أن هذين القولين يرجعان إلى واحد وهو أن الدلالة عقلية، وإنما اختلف في تقرير كونها عقلية والأمر فيه كما قيل قريب.

الثالث: أن دلالتها عادية، كدلالة قرائن الأحوال على خجل الخاجل، ووجل الواجل، وخوف الخائف، قالوا، فإن خلق الله تعالى لهذا الخارق على هذا الوجه المفروض، تدل عادته على صدقه بالضرورة، فعلى الأولين يستحيل عقلا صدور المعجزة على أيدي الكاذبين، أما على الأول فلما يلزم عليه من نقيض الدليل العقلي، بأن يوجد ولا يوجد مدلوله، فيصير ذلك الدليل شبهة، ويصير العلم الذي استلزمه جهلا مركبا، وذلك قلب الحقائق، ولا خفاء في استحالته، وأما على الثاني: وهو المواضعة، فلما يلزم عليه من الخلف، في خبرة تعالى، لأن حكم المواضعة في الفعل حكم الكلام الصريح، ثم لما كان هذا يتوقف على معرفة استحالة الكذب على الله تعالى، ذكروا في بيانه استحالة عليه أوجها، أحدها: أن الله تعالى عالم بالأشياء كلها على ما هي عليه، فيكون أخباره على وفق ذلك، فاستحال عليه الكذب، وهو: الخبر عن الشيء بخلاف ما هو عليه، وذلك في حق مزعم علمه ما لا يتناهى محال، ثانيها: أن كل خبر تجرد إليه، فإنه يصح من العالم به أن يخبر على وفق علمه، فلو صح الكذب عليه تعالى، لوجب أن لا يتصف بضده الذي هو الصدق وهو محال، ثالثها: قد ثبت اتصاله تعالى بالكمال والصدق، صفة كمال فضدها: نقص، والنقص على الله تعالى محال، فوجب كونه صادقا، هذا بيان ما قرره القوم في وجه دلالة المعجزة، ولم أر لأصحابنا في ذلك نصا، غير أن شيخنا لما عرضت عليه هذا المقام استظهر الوجه الأول، وهو: الذي وقع في نفسي اختياره.