الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦١" المقصد السابع"
في وجوب تصديق الرسل عليهم السلام
إذا علم صدق الرسل عليهم الصلاة والسلام، بدلالة المعجزة، وجب تصديقهم في كل ما أتوا به الله سبحانه، أذا يستحيل منهم الكذب عقلا، والمعاصي شرعا، لأنا مأمورون بالاقتداء بهم، فلو جازت عليهم المعصية لكنا مأمورين بها ﴿قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء﴾ 42 وبهذا تعرف عدم المكروه منهم والمباح، على الوجه الذي يقع من غيرهم، وبيان ذلك: أن عصمة الأنبياء عليهم السلام إما قبل النبوة، أو بعدها، أما حكمهم قبلها، فذهب أكثر الاشاعرة وكثير من المعتزلة، إلى أنهم لا يمتنع عقلا على الأنبياء قبل البعثة صدور المعصية منهم مطلقا، وذهب أصحابنا إلى عصمتهم من الكبيرة على كل حال دون الصغائر، ولا يقرون عليها بعد النبوة، وذهب بعض الأشاعرة إلى امتناع المعصية منهم مطلقا، قال: فإن المعاصي إنما تكون بعد تقرير الشرع، إذ لا يعلم كون الفعل معصية إلا من الشرع، وقال بعضهم: الامتناع منها بالسمع إذ لا مجال للفعل، لكن دل السمع بعد وروده على أنهم كانوا معصومين قبل البعثة، وذهب الرافضة إلى امتناع ذلك كله عليهم عقلا، ووافقهم أكثر المعتزلة في امتناع وقوع الكبائر منهم قبل البعثة، ومعتمد الفريقين التقبيح العقلي، لأن صدور العصية منهم ما يحقرهم في النفوس، وينفر الطباع عن إتباعهم وهو خلاف ما تقتضيه الحكمة، بعثة الرسل، فيكون قبيحا عقلا، وأما بعد النبوة، فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكذب في الأحكام، لأن المعجزة دلت على صدقهم فيما يبلغونه عن الله سبحانه، فلو جاز تعمد الكذب عليهم لبطلت دلالة المعجزة على الصدق، وأما جواز صدور الكذب منهم