الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٢في الإحكام غلطا أو نسيانا، فمنعه الأكثرون لما فيه من مناقصة دلالة المعجزة القاطعة، وجوزه بعضهم وقال: المعجزة إنما دلت على صدقهم فيما يصدر منهم قصدا واعتقادا.
وقال بعضهم: لا خلاف في امتناعه سهوا أو غلطا، لكن عند بعض، بدليل المعجزة القائمة مقام قول الله تعالى "صدق عبدي"، وعند بعض، بدليل الشرع، وأما غير ما ذكر من المعاصي القولية والفعلية، فالإجماع على عصمتهم من تعمد الكبائر والصغائر الخسة، خلافا لبعض الخوارج، وأما إتيان ذلك نسيانا أو غلطا، فقيل اتفقوا على امتناعه، فقيل بدليل السمع، وهو الإجماع، وقيل به وبدليل العقل أيضا، وأما الصغائر التي لاخسة فيها، فجوزها الأكثرون عمدا وسهوا، ومنها الأقلون، وقالوا: لاختلاف الناس في الصغائر، ولما ذهبوا إليه جماعة من أنه ليس فيما يعصى الله به صغيرا، ولأن الله تعالى أمرنا بإتباعهم في الأقوال والأفعال، فيجب الاقتداء بهم، فلو جازت منهم المعصية لكنا مأمورين بإتباعهم فيها.
وبهذا كما قلنا: تعرف عدم جواز وقوع المكروه منهم، فالحق أن أفعالهم دائرة بين الوجوب والندب والإباحة، وليس وقوع المباح منهم بحسب مقتضى الشهوة، كوقوعه من غيرهم، فإنهم لعظم معرفتهم بالله كان وخوفهم منه، واطلاعهم على ما لم يطلع عليه غيرهم، لا يصدر منهم المباح، إلا على وجه بصير في حقهم طاعة وقربة لقصدهم، إما تشريعه أو التقوى به على طاعة الله تعالى، ونحو ذلك مما يليق بقاماتهم الرفيعة، وإذا كان أهل المراقبة من أولياء الله تعالى بلغوا في الخوف منه تعالى، برسوخ المعرفة ما منعهم أن تصدر منهم حركة أو سكون في غير رضاه تعالى، فكيف بأنبيائه ورسله صلاة وسلاما عليهم أجمعين.