الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٩أما عند المتكلمين فلاستناد الكل عندهم إلى الفاعل المختار، فلعله أوجب شيئا من ذلك للإمكان وعموم القدرة.
وأما عند الفلاسفة فلاستناد الحوادث الأرضية، عندهم إلى الأوضاع الفلكية فلعله حدث شكل غريب فلكي لم يقع فيما مضى مثله أو وقع لكنه لا يتقدر إلا في ألوف من السنين لا يفي بضبطها التواريخ، فاقتضى ذلك الشكل الغريب ذلك الأمر العجيب، وأيضا فأنا أجزم بأن ابني هذا وكذا الذبابة الني أراها ليس أحدهما جبريل، وأنتم تجوزون ذلك إذا قلتم إنه كان تارة يظهر في صورة دحية الكلبي، وكان له أخرى دوي كدوي الذباب.
والجواب أن إمكان نقائص ما جزمنا به من العاديات، لا ينافي الجزم بوقوع تلك الأمور العادية جزما مطابقا للواقع ثابتا لا يزول بالتشكيك أصلا، كما في بعض المحسوسات فإنا نجزم بأن هذا الجسم فلا شاغل لهذا الحيز في هذا الوقت جزما لا تتطرق إليه شبهة، مع أن نقيضه ممكن في ذاته، فظهر أن الجزم في العاديات وقع موقعه وليست فيها احتمال النقيض، القادح في الجزم.
وأما احتمال النقيض بمعنى إمكانه الذاتي فليس بقادح فيها كما في المحسوسات اليقينية.
الشبهة الثالثة: أن يقال للأمزجة والعادات تأثير في الاعتقادات، فقوى القلب يستحسن ألاَّ يلام بل ربما يلتذ به، وضعيفه يستقبحه جدا ومن ثم ترى بعضهم لا يجيزون للانتفاع بأكملها، ومن