معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٥٨

وقال بعض المحققين: معنى كونها حرما: أن المعصية فيها أشد قوية منها في غيرها، وأن الطاعة أشد فيها من غيرها، وكانت العرب تعظمها جدا، حتى لو لقي الرجل منهم فيها قاتل أبيه، لم يتعرض له بشيء تعظيما لها، وقد شدد أصحابنا فيمن لم يعرفها، واختلف في أولها، فقيل: ذو القعدة، فذو الحجة، فالمحرم، فرجب، فهي من سنتين، وقيل: المحرم، فرجب، فذو القعدة، فذو الحجة، فهي من سنة واحدة، على هذا قال، والراجح الأول، لقوله عليه السلام في خطبة حجة الوداع" ألا أن الزمان قد استدار على هيئته، يوم خلق الله السموات والأرض" أي أن الأشهر قد رجعت إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذي الحجة، وبطل الأمر الذي كان في الجاهلية، وإن حجة الوداع وافقت_ ذو الحجة، وكانت حجة أبي بكر رضي الله عنه قبلها في ذي القعدة.

قال: وتظهر فائدة الخلاف في كونها من عامين، أو من عام واحد. فيمن ندر صومها مرتبة، فعلى الأول يبدأه من ذي القعدة، وعلى الثاني: من المحرم، ولما كان الأشهر محرم مزيد فضل على شهور العام، ناسب أن يبدأ بأحدها، فجعل أولها المحرم، لأن الأشياء تبتدئ غالبا بأشرافها، وليتوسط أحدها، وهو: رجب لنعم بركته، طرفي العام، وليختم بالبقية وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، لتتسم بركة الطرف الثاني. لأن الطرف الأول له بركتان: إبتداه بالمحرم، وأخذه جزاءا من رجب، ولهذا رتبت الأشهر الحرم ذلك الترتيب، وإنما كان الابتداء بشهر منها، والتوسط بآخر منها، والختم بشهرين منها، ليوقع في الآخرين الحج، الذي هو ختام الأركان الأربعة، المشتملة على مال محض، وهو الزكاة وعمل بدن محض، أما بالجوارح، وهو الصلاة وما بالقلب، وهو الصوم، لأنه الكف عن المحرمات، وعمل مركب من مال وبدن، وهو الحج، فلما جمع المال والبدن ناسبت أن يكون له شهرا من الأربعة.