الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٢المعنى، أن لم يبلغ آحادها حد التواتر، وقد نقل عن ضرار وبشر المريسي والروافض وجماعة من المعتزلة إنكار عذاب القبر، ورد الأرواح فيه إلى الأجسام، وسؤال الملكين وقالوا: إن الميت جماد، لا حياة له، ولا إدراك، فتعذيبه محال، قلنا: يجوز أن يخلق الله سبحانه في جميع الأجواء، وفي بعضها نوعا من الحياة، قدر ما يدرك ألم العذاب، ولذة النعيم، وهذا لا يستلزم إعادة الروح إلى بدنه، ولا أن يتحرك، أو يضطرب، أو يرى، أثر العذاب عليه، حتى أن الغريق في الماء، والمأكول في بطون الحيوانات، والمصلوب في الهواء، يعذبون وأن لم تطلع عليه.
وزعم أبو الهذيل: أن من خرج من الدنيا على غير سمة الإيمان، فإنه يعذب بين النفختين، وليسله أن أدراك، وأثبت البلخي والجبائي وابنه عذاب القبر للكفار والفسق، دون المؤمنين، وأنكروا تسمية الملكين بما مر، والشرع ورد بتسميتها بذلك وقال صالح: رقبة بكسر القاف من المعتزلة: عذاب القبر جائز ويجري على المؤمنين، من غير رد الأرواح إلى أجسادهم، قال: إن الميت يجوز أن يحس ويألم، وهو كما قيل: خلاف الضرورة، وقالت طائفة من الكرامية والمعتزلة: أن الله يعذب الموتى في قبورهم، ويحدث فيهم الألم، وهم لا يشعرون، فإذا أحبوا بعد ذلك، وجدوا تلك الآلام قالوا: كالسكران إذا ضرب فإنه يحس ألمه بعد إفاقته، ونحن نمنع أن السكران لا يتألم، وإنما منعه من الأنين والتأوه حاله.
وبالجملة، فإنه لا مانع في العقل من رد الحياة كما مر إلى، بعض أجزائه أو كلها، ويجعل له من الفعل الفهم ما يفهم، به، ويجيب ويدركه الملكان منه، وإن لم نسمع نحن كلامهم، وكذا يجوز أن يسمع كلام من يسلم عليه، وكل ذلك جائر، وقد ورد السمع به فوجب اعتقاد ظاهره، ولا حاجة إلى تكلف تأويله، والله تعالى على كل شيء قدير.