الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٣وقالوا: وليس في أحياء الأطفال خبر مقطوع به، وظاهر الخبر على التعميم، إلا أنه لا بد في ذلك من تكميل فهمهم، ليعرفوا بذلك سعادتهم وشقاوتهم، على ترائي، وكذلك المعصومون من الذنوب، ويكون ذلك فيهم تعريفنا لسعادتهم، ومثل في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ 233، إن أحدى الحياة، حياة القبر وأورد عليه، أنه يلزم عليه أن يكون ثلاثا، وأجيب بأن نفي الثالثة إنما هو الطريق المفهوم، وهو ضعيف، وأسقط المعارضة القاطع له، ويحتمل كما قيل أنه إنما خص الحياتين الذكر، لأنهما اللتان أنكروهما بعد الموت، أما الحياة الأولى محسوسة، فلا يحتاج إلى النص عليها، فإن تمسكوا بقوله تعالى ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ 234 قلنا: النفي هو أن يذوقوا في الجنة غصص الموت، التي لم تثبت إلا للأولى، فمن ثم خصت بالذكر.
فإن قالوا: نحن نرى من تدفنه على حاله، ونعم بالضرورة كونه ميتا_ قلنا: هذا يؤذن من قائلة، بعدم طمأنينة إلى الإيمان، وهو بمثابة استبعاد الكفر، حشر العظام البالية، ومن يسلم اختصاص الرسول برؤية الملك دون القوم، وتعاقب الملائكة فينا، وقوله تعالى في إبليس لعنة الله وجنوده ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ﴾ 235 الآية، لا يشك في التصديق بذلك، كيف والنائم يدرك أحوالا من السرور والغموم، والألم، من نفسه، ونحن لا نشاهد ذلك منه، والبرزخ أول منزلة من منازل الآخرة، وفيها تغيير العادات وخرفها، فيصح أن يكون الميت حال مشاهدتنا له، والقبر حال نظرنا إليه، على غير الحالة التي نشاهدها، ولم نشعر بشئ مما هنالك، والأمر بيد الله تعالى، يظهر ما يشاء، ويحجب ما يشاء، ومن تأمل في عجائب ملكه وملكوته، وغرائب قدرته وجبروته، لم يستبعد أمثال ذلك، فضلا من الاستحالة، نسأله سبحانه أن يجعلنا ممن به وبملائكته، وكتبه، ورسله، ويختم لنا بخواتم السعداء، بمنه وكرمه.