الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٧٩المقصد الرابع
في الإجماع على جواز حشر الأجسام
اجمع المليون المتكلمون عن آخرهم، على جواز حشر الأجساد ووقوعه، وأنكرها الفلاسفة، أما الجواز فلان جمع الأجزاء على ما كانت عليه، وإعادة التأليف المخصوصة فيها، أمر ممكن، فان الحشر: عبارة عن جمع الأجساد، وأحيائها وسوقها إلى الموقف وغيره من مواطن الآخرة، والنشر، على ما سيأتي عبارة عن إحيائها بعد مماتها، وذلك لأن الأجزاء المتفرقة المختلطة بغيرها قابلة للجمع، بلا ريبة وإن فرض أنها عدمت، جاز إعادتها ثم جمعها إعادة التأليف فيها لما عرفت من جواز إعادة المعدوم، والله سبحانه وتعالى عالم بتلك الأجزاء، ولأنها لأي بدن من الأبدان قادر على جمعها وتأليفها، لما يبقى من عموم علمه وقدرته، وصحة القبول من القائل، والفعل من الفاعل، يوجب صحة الوقوع، والجواز قطعا وهو المطلوب.
وأما الوقوع: فلان الصادق الذي عم صدقه بأدلة قاطعة، أخبر عنه في مواضع لا تحصى بعبارات لا تقبل التأويل، حتى صار معلوما بالضرورة، كونه من الدين القويم، والصراط المستقيم، فمن أراد تأويلها بالأمور الراجعة إلى النفوس الناطقة، فقد كابر بإنكار ما هو من ضرورات ذلك الدين، وكل ما أخبر به الصادق فهو حق، واحتج المنكر بوجهيه، الأول: أنه لو أكل إنسان إنسانا فحيث صار المأكول جزاء من الأكل، فلو أعاد الله ذلك الإنسان بعينهما، فتلك الأجزاء التي كانت لمأكول، ثم صارت لأكل، أما أن تعاد في كل منهما، وهو محال لاستحالة أن يكون جزءا واحدا بعينه في آن واحد، في شخصين متباينين، أو تعاد في أحدهما وحده، فلا يكون الآخر معادا بعينه،