الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٢الأولى ويستحيل أن تنقلب الحقيقة من الإمكان إلى الاستحالة، ونفى التعذر من جهة الفاعل بقوله ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ 238 بصيغتي المبالغة وبقوله" أنشاها"، ثم أرشد إلى الجواب عن شبه المنكرين وعن شبههم: استبعاد جميع الأجزاء إلى أبدانها المخصوصة، بعد اختلاطها بغيرها، كما قالوا: ﴿أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ﴾ 239 بأنه تعالى عالم بجميعها، غير عاجز عن تأليفها، وخلق الحياة فيها، وقال ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ﴾ 240 الآية ومن شبههم، أيضا أنها إذا صارت ترابا، فقد تغير طبعها عن طبع الحياة، التي هي الحرارة والرطوبة، فرد هذا الاستبعاد بقوله ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُم مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَاراً﴾ 241 إلى غير ذاك_ فإن قيل قد ردك السمع عن أن اللذات الآخرة من جنس لذات الدنيا، كأكل، والشرب، وغيرهما، فتكون أيضا دفعا للألم وخلاصا منه.
قلنا: قد مر جوابه أنها، لو أشبه بعضها لذات الدنيا في الصورة، فلا جرم أنها تخالفها في الحقيقة، كما تقل: أنه لا شركة بينهما، إلا في الأسماء، وحينئذ لا يلزم اشتراكها في دفع الألم.
تنبيهات: الأول: ذهب الفخر: إلى أنه لم يثبت بدليل قطعي عقلي أو نقلى، أن الله سبحانه يعدم الأجزاء ثم يعيدها، واحتج غيره ممن جزم بإعدامها بقوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ 242والهلاك هو: الإفناء، والأجزاء من جملة الأشياء، فتكون فانية، وجوابه لا نسلم أن الهلاك هو الفناء فقط، بل التفريق أيضا هلاك.