الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٨٥المقصد السادس
في حكاية مذهب الحكماء المنكرين لحشر الأجساد في أمر المعاد، قالوا: النفس الناطقة لا تقبل بعد وجودها، لأنها بسيطة، وهى موجودة بالفعل، فلو ثبت الفناء، لكان للبسيط الذي هو النفس حال كونها موجودة فعل، بالنسبة إلى وجودها، وقوة قابلية بالنسبة إلى فنائها وفسادها، وأنه محال لأنه حصول أمرين متنافين لا يكون إلا في محلين متغايرين، وهو يتأنى البساطة.
وتخليصه: أن الموجود بالفعل لا يكون هو بعينه متصفا بقابلية فناءه، وفساده، لأن القابل يجب بقاؤه مع حصول المقبول، ولا بقاء لذلك الموجود مع الفناء، والفساد، فبين وجود الشئ بالفعل، وقابلية فنائية منافاة، فلا يجتمعان في بسيط، فلو اجتمعا في النفس الناطقة، لكانت مركبة من جزءين، يكون أحدهما قابلا لفسادها، بمنزلة المادة في الأجسام، فأن قيل هي قبل حدوثها معدومة بالفعل، وقابلة للوجود، ولا يمكن اجتماعها، بمثل ما ذكرتم، ولم يلزم من ذلك تركها، قلنا لان المتصف بقابلية وجودها، هو المادة البدنية الحاصلة عند حدوثها، فلا حاجة إلى إثبات مادة الجوهر، والنفس، بخلاف ما نحن فيه، وإذا لم تقبل النفس الناطقة الفناء، كانت باقية بعد المفارقة، ثم أنها أما جاهلة جهلا مركبا، أو أما عالمة، أما الجاهلة فتتألم بعد المفارقة أبدا، كالكافر عندنا، وذلك يشعرها بنقصانها لا مطمع لها في زواله، وإنما لم تتألم قبل المفارقة، لأنها كانت مشتغلة بالمحسوسات منغمسة في العلائق البدنية، ولو لم تكن تعلقاتها ما فيه من الشوائب العادية، والظنون والأوهام الكاذبة لم تنته لنقصانها، وقوات كمالاتها، بل ربما تخيلت