الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩١المقصد الثامن
في الميزان، وهو حق نطق به القرآن والسنة، غير أنه ليس على ما زعموه أيضا من أنه بعمود وكفتين، فالموزون فيه قالوا: صحف الأعمال، أو مثالات يخلقها الله سبحانه ويزنها على قدر أجود الأعمال، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها، وإنما المراد عندنا وعند معظم المعتزلة من الميزان، اعتبار الحسنات وتمييزها من غيرها، والعدل الذي وضعه عز وعلا بين خلقه ﴿الْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً﴾ 250 كما قال ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ 251 ﴿للَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ 252، ﴿َأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ 253 الآية، يعني العدل بين عباده، وكل ذلك تمثيل يجب الحمل عليه كما يقال: اجعلوا بيننا ميزانا يعدل بيننا، مراد به قاضيا عادلا، ولا ضرورة تدعوا إلى الميزان المتعارف، لما أنه إنما يحتاج إليه من لا يعرف مقادير الأشياء، وأراد معرفتها، والله سبحانه وتعالى غني على الإطلاق، محيط علمه بكل شيء، فإنه يحكم فيهم وعليهم بسرائرهم، وما تخفى صدورهم.
وأيضا أن أفعال العباد: أعراض لا تقبل الخفة والثقل، ونحو ذلك من: الإعادة، والبقاء، إلى أن يقال أنها تجسم، كما قدمنا، والخطب في ذلك يسير، وهذا مما نؤمن به قطعا، ونحمله ظاهرا على اللائق، وعلم الحقيقة لعلام الغيوب، والحاصل أن وزن كل شيء بما يليق، وفال الجبابي: يخلق الله جواهر على أعداد الأعمال الصالحة وضدها، وقال ابن المعتم: يجوز ما ذكره الأشاعرة، ولا نقطع به سمعا، ثم هل الوزن خاص بالمؤمنين، أم عام بهم، والكافرين، ويكون معنى قوله تعالى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً﴾ 254، أي نافعا، فيه تردد للعلماء.