معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ١٩٣

المقصد العاشر

أعلم: إنما يجوزه العقل، إذا أخبر الشرع بوقوعه يجب أن نؤمن به على ظاهره، وندع تأويله، إذ هو مع ذلك بدعة، وأما ما أخبر به، وكان ظاهرة مستحيلا، في العقل، بأن نصرفه عن ظاهرة الممتنع، لانا نعلم قطعنا أن الشرع لا يخبر بوقوع، ما لم يمكن وقوعه، فلو كذبنا العقل في هذا، وعلمنا بظاهر النقل المستحيل، لأدى ذلك إلى لانهدام النقل أيضا، لأن العقل أصل لثبوت النبويات، التي يتفرع عنها صحة النقل، فيلزم إذا من تكذيب العقل تكذيب النقل، ثم بعد صرف اللفظ عن ظاهرة الممتنع، أن لم يمكن له بعد ذلك إلا تأويل واحد صحيح، تعين الحمل عليه، لعدم وجود غيره، وذلك مثل قوله تعالى ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنتُمْ﴾ 256 والرعاية، ونظيره ﴿إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ 257 الآية، ونحو ذلك مما هو كثير وأن كان له بعد ذلك تأويلات، كل واحد منها مستقيم.

فهل يتعين واحد منها؟ ليندفع اللبس به من العوام؟ وهو مذهب بعضهم كالجوينى، ويوقف عن التعيين ويفوض الأمر إلى الله سبحانه، رفعا للتحكم اللازم من التعين، وهو مذهب الأقدمين من الأشاعرة، وذلك مثل قوله ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ 258 فإن الاستواء بمعنى الاستقرار المكاني محال في حقه تعالى، ويبقى بعد ذلك تأويلات صحيحة، أحدها: أن يكون استوي بمعنى استولى عليه بتصريف كيف يشاء، والثاني: أن يكون بمعنى قصده، بمعنى أنه قصد إلى شئ هنالك، الثالث: أن تكون على بمعنى الباء، واستوي بمعنى كمل، أي كمل خلق ما ذكر بالعرش، الرابع: أن المستقر فوق العرش مخلوق من مخلوقاته تعالى، أي خلق ما ذكر الشامل للعرش، وخلق استوي فوقه وهو اعزها، والله أعلم.