الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٤المقصد الحادي عشر
اختلف الناس، في نفوذ الوعيد، على ثلاثة مذاهب، الأول: أن الوعيد الوارد في الكتب الإلهية، إنما جاء للتخويف فقط، لا لفعل الإيلام، وهو قول الباطنية، واحتجوا بقوله تعالى ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ 259 ولا يخفى فساده، فان التخويف المذكور في الآية، أنما هو في الدنيا، ويقع المخوف به في الآخرة، وبأن الحليم أرحم الراحمين، كيف يعذب حيوانا ضعيفا تعالى نفع في عمل أحد، أو ضرر به، وأيضا فالأفعال كلها واقعة بإرادته تعالى، وخلقه لا أثر للعبد في شئ منها، وهذا الكلام مهم مبنى على التحسين العقلي، وهو باطل، وعلى طلب الاطلاع على سر القدرة، وهو مما نهينا عن الغوص فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم" إذا ذكر القدر فأمسكوا" والله سبحانه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، ولا علم لنا بشئ إلا أن يعلمنا الله سبحانه بفضله.
الثاني: العذاب إنما يحصل في حق المشرك دون الموحد، مذهب المرجئة، وجزموا بنفي عقاب من مات من أهل الكبائر قبل أن يوفق للتوبة، واحتجوا بقوله تعالى ﴿إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالْسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ 260 المراد بهم من ذكر، ودخول النار خزي بدليل ﴿مَن تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ 261 الآية، فهو إذا خاص بالكافرين وبقوله ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ 262، والألف واللام في العذاب للعموم وبقوله ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا﴾ 263* الآية، وبقوله ﴿لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ 264 وبقوله ﴿وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ﴾ 265