الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦٥ونظر العقل بمعنى ترتيب المبادئ والمقدمات على ما مر. قلت: قد جرت عادتهم بالانتظار على المقاصد والأعراض عن تدقيقات الفلاسفة، فإنهم لما وجدوا بعض الإدراكات حاصلة عقب استعمال الحواس الظاهرة التي لا شك فيها، سواء كانت من ذوي العقول أو من غيرهم جعلوا الحواس أحد الأسباب، ولما كان معظم المعلومات الدينية مستفاد من الخبر الصادق جعلوه شيئا آخر، ولما لم تثبت عندهم الحواس الباطنية التي سنعرفها ولم يتعلق لهم غرض بتفاصيل الحدسيات مما مر، وكان مرجع الكل إلى العقل جعلوه سببا ثالثا، يفضي إلى العلم بمجرد التفات أو بانضمام حدس أو تجربة أو ترتيب مقدمات، فجعلوا السبب في العلم بأن لنا جوعا وعطشا لذة وألما وخوفا وأمنا ونحو ذلك، وأن الكل أعظم من الجزء وأن نور القمر مستفاد من نور الشمس، وأن السقمونيا مسهل، وأن العالم حادث هو العقل وإن كان البعض باستعانة في الحس هذا وإن كان يغني عن كثير ما تقدم، فلا بأس بإيراده زيادة للإيضاح.
المقصد الرابع: اعلم أن النفس في مبدأ كما مر عارية عن العلوم، قابلة لها متمكنة من تحصيلها بآلات وقوى بدنية، فإن بدن الإنسان من كثرة عجائبه ولطائف تأليف مفاصله شبه مدينة، والنفس كملكها وتلك القوى كالجنود والأعوان، وللنفس قوى كثيرة لا يحصى حقيقة عددها إلا عز وعلا، ولكل منها مقام وفعل غير ما لأختها.
ولها خمس حساسة: كأصحاب الأخبار والنفس، قد ولت كل واحدة منها ناحية من مملكتها لتأتينها بالأخبار قال الله تعالى: {وَاللّهُ