معالم الدين عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٨٤

وتعتب النسب والإضافات فلا يحيط بها عقل ولا يعلم ذلك إلا الله سبحانه، فقد استبان لك أن العالم مفتقر إليه وأنه فاعل له بالاختيار لا بالعلة ولا بالطبيعة ويقضي ذلك إمكانه وحدوثه ومقداره وصفاته وأزمنته وسائر أحواله.

المقصد الرابع: اعلم أن الفرق بين الاستدلال بطريق الإمكان المجرد وبين غيره من الطرق الآتية، أن العلم بحدوث العالم بتأخر في طريق الإمكان المجرد عن العلم بالصانع، وفي غيره يتقدم، وبيانه أنا إذا حققنا أن العالم ممكن بوجوده وعدمه، لا أرجحية لأحدهما على الآخر بذاته، ويدل على ذلك بافتقاره، وأن كل ممكن بذاته من حيث هو قابل للوجود والعدم فالوجود له ليس من ذاته، وكل ما ليس له الوجود من ذاته فالوجود له من غيره ثم ذلك الغير لابد وأن يكون واجب الوجود لذاته وإلا كان مفتقرا إلى ما افتقر إليه العالم ودار أو تسلسل على ما سيأتي، وكلاهما محال فثبت العلم بوجود مؤثر واجب لذاته، فقد خرج لك من هذا العلم بوجود الصانع لكن مع احتمال أن يكون صانعا باللزوم.

الثاني: فلا يكون العلم حادثا بل قديما كما هو رأي الفلاسفة وأن يكون صانعا بالاختيار، فيكون العالم حادثا فيحتاج إلى دليل آخر لإثبات هذا الطلب، أعني حدوث العالم بعد ما فرغت من مطلب وجود الصانع الذي نظرك فيه ونظر الفليسوفي واحد، وإنما تنفرد عنه بهذا المطلب الثاني، فإنه لم يهتد هو إليه.

فنقول: صانع العالم إما أن يكون أوجبه لذلك في ذاته أو اقتضاه بطبعه أو أوجبه باختياره وجهات التأثير منحصرة في هذه الأوجه الثلاثة، ووجه الحصر أن كل مؤثر لا يخلو إما أن يصح منه الترك أو لا.