الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٢فخرج لك بالنظر في ذاتك وانعقاد التمائل بينك وبين سائر الممكنات، البرهان القاطع على حدوث العالم كله علوية وسفلية وعرشه وكرسيه، أصله وفرعه وأن الجميع عاجز عن إيجاد نفسه، وعن إيجاد غيره كعجزك وأن الجميع مفتقر إلى الفاعل المختار كافتقارك إليه، ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدَهِ﴾ 14 والمراد بالأصل: ما نشأ عنه غيره بحسب مجرى العادة من غير تأثير له أصلا، وبالفرع ما نشأ عن الغير كالماء للنباتات مثلا فإن قيل برهانكم السابق واللاق إنما ينتجان الحدث لجميع الأجرام وأعراضها.
والمطلوب أعم من هذا، وهو حدوث كل ما سوى الله تعالى فلو قدر فيما سواه تعال ما ليس بجرم ولا قائم به، لم ينهض فيه دليل، قلنا: مذهب المتكلمين انحصار العالم في الأجرام والأعراض خلافا للحكماء في إثباتهم قسما ثالثا في العالم ليس بجوهر.
ولا عرض أعني غير متميز ولا قائم بمتحيز، وسموه بالمجردات أعني من الصورة والتحيز كما ستعلمه، وجعلوا من ذلك النفوس والأرواح والملائكة، وتبعهم على ذلك الغزالي وبعض الصوفية فهي عندهم لا تتقدر ولا تتشكل ولا تعمر فراغا ولا يلزم من ذلك ما قالوا مماثلتها للباري عز وعلا، لأنها إنما شاركته في سلب وهو التقدس عن المقدار والشكل والتحيز والمماثلة، إنما تكون بالمشارك في صفات النفس قلت ومن ها هنا كفر بعضهم كابن حبيب من المالكية الغزالي وجعلوه مشبها.
تنبيهان:
الأول: أن المتكلمين في إبطال الزائد على القسمين طرقا، من أشهرها طريقة التقسيم، وهي كل موجود إما أن يكون متحيزا أو لا.