الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٤الأمر وتبقى الطاعة، وزوالهما ويبقى الثواب. كما أنه محال زوال النهي وتبقى المعصية أو زوالهما ويبقى العقاب.
وقال بعضهم: يجوز نسخ هذه الثلاثة، وزادوا جواز نسخ الأخبار عن العقاب والثواب. ولا بد من تحقيق هذه المعاني الأربعة وتفصيلها.
اعلم أن الأمر والنهي من أفعال الله تعالى كما قدمنا إيجابا وإعلاما. فأما الأيجاب فإلزام من الله عز وجل العبد ما كلفه. وأما الإيذان فالأوامر الظاهرة في القرآن خبر، أوامر، أو جهة الخطاب. ولا إحالة في شيء من/ هذا لأنه قد كان ووقع، وليس في العقل ما يحيله ولا ما يبطله، وذلك أن الله تعالى قد افترض على نبيه عليه السلام استقبال بيت المقدس في أول الأمر بإجماع ثم ردهم إلى استقبال الكعبة بإجماع، قال الله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء ........ الحرام﴾ (1). فرأينا الأمر الأول من امتثله أطاع، ومن تمادى بعد النسخ عصى، فتعاقب الطاعة والمعصية، ثم زال كل واحد منهما بزوال موجبه فتناسخت وتعاسقبت فحكم الأمر والنهي واحد، وحكم الطاعة والمعصية واحد، وحكم الثواب والعقاب واحد. والخبر عن وجوب الثواب ووجوب العقاب
واحد، أعني في تعاقبهما وإن كان واحد منهما لا يختلف عن موجبه. أما الوجوه الثلاثة فلا يختلف فيها هذا المعنى/ الذي ذكرناه فيها من أن الأمر إذا زال زالت الطاعة وزال الثواب، والنهي إذا زال زالت المعصية وزال العقاب. وإنما التنازع في خبرهما. فمن منع النسخ فيها فإنما أبطل اللفظ وأوجب المعنى؛ لأنه يقول: إذا زال الثواب زال الخبر من حين زوال الثواب وإذا زال العقاب زال عنه الخبر منحين زال العقاب بل أعقبه ضدهما، وليس في تسمية من سمّاهما نسخا ما يبطل حكما ولا يوجب كَذِبا؛ لأن صاحبه قد أتى بمعناه ولم يكذب.
فصل
والنسخ في الأخبار كما قدمنا، قد أجازه بعض وأبطله بعض. فحجة من أبطله أن الخبر الأول مكذب للخبر الآخر، والكذب في أخبار الله عز وجل محال. وهذا ليس بشيء؛ لأن هذا القائل يقول: الخبر يوجب الثواب على هذه الطاعة قد جاء فلما نسخ الأمر زال. ولا يزول إلا بضده، وليس كل واحد من/ الخبرين مكذب للآخر