الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٧٢إلا بآية.
قال: إن نسخ القرآن بالسنة تهمة وتنفير، وذلك أنما وجب الإيمان بالقرآن من جهة الإعجاز، فإن نسخ القرآن ما ليس بمعجز من كلام غير رب العالمين وجب الشك والارتياب.
قلنا: كلاهما سواء عند من آمن. قال الله تعالى: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه/ وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (1). وليس يقدح قول أهل الشك في إيمان أهل الإيمان.
مسألة
فكل دليل دل عى جواز نسخ القرآن بالقرآن دل على جواز نسخ السنة بالسنة، وأخبار الآحاد بأخبار الآحاد.
وأما السنة بالسنة فأكثر من أن يخصى. وقد كان رسول الله عليه السلام يصلي بمكة ركعتين أول النهار وركعتين آخر النهار فنسخها لله تعالى بالصلوات الخمس. وبالأربع في مقام الأثنين، ونسخ الترك بالعمل، ونسخ الكلام في الصلاة بالقنوت. ونسخ القنوت بالترك، وبقول الله عز وجل، وذلك حين فنت أربعين يوما على رُعْلٍ وذكوان (2)، فأنزل الله تعالى: ﴿ليس لك ...... ظالمون﴾ (3). ونسخ منها الكلام بقوله: «إن في الصلاة لشغلا» (4). وبقوله: «إن الله يحدث من أمره ما يشاء، ومما أحدث ألا تتكلموا في الصلاة» (5). وبقوله: «صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين» (6) ونسخ شروط المهادنة بالترك.
وأما أخبار الآحاد فكثير كقوله: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها ولا تقولوا هجرا» (1). وبقوله: «إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت عليكم» (2). وجلد المحصن، وتغريب البكر عاما. ومنه صلاته بالناس قاعدا وهم قيام بعدما قال: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا» (3). ثم صلى بهم قاعدا وهم قيام عند وفاته.
ومن ذلك نهيه عن نبيذ الجرّ حين قال: «نهيتكم أن تنبذوا في الأوعية، ألا فانبذوا في كل شيء فكل مشكر حرام» (4). فهذه أخبار الآحاد منسوخة بمثلها.