الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٤٧باب في اختلاف الناس في القرآن
اختلف الناس في القرآن فذهب قوم الى انه قديم ازلى وهم المالكية والشافعية والحنابلية على اختلاف انواعها وذهب آخرون الى انه محدث مخلوق وهم المعتزلة والاباضية والشيعة على افتراق مذاهبها وكل يحتج بزعمه ويستدل لمذهبه ويصوب رايه ويخطئ مخالفه وربك اعلم بمن هو اهدى سبيلا فمن احتجاج النافين لخلق القرآن انهم قالوا ان القرآن كلام الله وكلام الله متصل ليس بمنفصل وهو صفة من صفات ذاته تعالى قديم ازلى ليس بمخلوق فاذا زعمتم انه مخلوق فالمخلوق لا يخلو من احد ثلاثة اوجه اما ان يكون جسما او جوهرا او عرضا ومعلوم انه ليس بجسم لان الجسم مؤلف من الافراد والاجزاء قابل للحوادث محل للاعراض المتغايرات المتعاقبات ومعلوم انه ليس بجوهر لان الجوهر ايضا قابل للحوادث ومحل للاعراض المتغايرات متحيز لجهة ولو كان عرضا لوجب ان يفنى فى الحال الثانيه لان العرض لا يبقى اكثر من حال فلما بطلت هذه الوجوه الثلاثة واستحال ان يوصف القرآن بواحدة منها علمنا انه ليس بمخلوق اذ المخلوقات باسرها قد تضمنت هذه الوجوه الثلاثة المذكورة ثم انه لو كان مخلوقا كما زعمتم لم يخلو ان يخلقه الله تعالى في نفسه وفى غيره او يخلفه قائما بنفسه لا فى شئ ومعلوم انه لم يخلقه عز وجل في نفسه لاستحالة كونه تعالى محلا للاشياء وكذلك لم يخلقه ايضا في شيء لانه لو خلقه في شيء لكان للمحل فيه اختيار واكتساب كما كان الاختيار والاكتساب للشاعر الذي خلق في قلبه ولنسب الى المحل كما نسب الشعر الى الشاعر فمستحيل ان يخلقه قائما بنفسه لا في شيء اذ لابد للمخلوق لمستند يستند اليه فبطل بهذا ان يكون مخلوقا ايضا والقرآن قول الله تعالى باتفاق بيننا وبينكم وقد قال تعالى انما قولنا لشيء اذا اردناه ان نقول له كن فيكون فلا يخلو ان يقول له حين خلقه اياه كن بقوله الذى هو القرآن او بقول آخر غير القرآن ومحال ان يقول الشيء لنفسه كن ومعلوم انه لم يقل له كن بقول آخر غيره اذ قوله تعالى واحد لا يبتعض ولا
-121 -