الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٥النهي وإنما وقع الاختلاف في العبارة باللسان في الألفاظ والبيان. فالكلمة من الله عز وجل ينفهم منها لأهل الأمر أمرهم ولأهل النهي نهيهم. فالعام فيه هو الخاص والظاهر هو الباطن، لا يحتمل الوجوه، وإنما الاختلاف في ظاهر العبارة. واستدلوا بقول الأخطل النصراني حيث يقول/ (1):
إن الكلام لفي الفؤاد وإنما … جعل اللسان على الفؤاد دليلا
ويؤخذ عليهم في هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:
أحدهما: استدلالهم بكلام كافر نصراني غير مأمون على الشريعة.
والثاني: التقول على اللغة، وإنما يقبل فيها عن مثله القول لا التقول.
ولو كنا ممن يصغي إلى ما شرعته لنا العرب عن الله عز وجل في أشعارها لجوزنا قول القائل (2):
أبني لُبينى لا أحبكم … ... وجد الإلاه بكم كما أجدا
وقول الشاعر:
وذو العرش محمول على ظهر سبعة … ولولاه ما راموا النهوض ولا كادوا
وقول الشاعر:
وإنالله ذاق حلوم قيس … فلما رءا خفتها قلاها
فلو عكس عليه هذا الشعر بعض نظرائه فقال:
إن الكلام لفي اللسان وإنما جعل اللسانعلى الفؤاد رقيبا … أو أميرا … أو دليلا، لما زاد.
والثالث/: قد رد الله عز وجل قوله بقوله:
{
يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم} (1) فأثبت القول في اللسان دون الفؤاد. ونفاه عن الفؤاد دون اللسان، بدليل قوله: ﴿ذلكم قولكم بأفواهكم والله يقول الحق وهو يهدي السبيل﴾ (2). وقوله: ﴿اليوم نختم على أفواههمن وتكلمنا أيديهم، وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون﴾ (3). منعهم من الكلام بأفواههم حيث كذبوا بألسنتهم وقصرهم إلى الجوارح لا الفؤاد. وقول رسول الله عليه السلام: «إن الله غفر لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم (4) «.
والنطق في اللسان بإجماع الأمة. ولو طولبوا بإقامة الكلام في الفؤاد لخرجوا من المعقول. ولو أن حالفا حلف لا يكلم فلانا ولم يكن منه إليه إلا حديث