العدل والإنصاف في معرفة أصول الفقه والاختلاف يوسف بن إبراهيم بن مناد الوارجلاني أبو يعقوب

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٧

نتيجة العقل.

وقال الباقون: من لم يسمع صوتا قط قد يصح منه الكلام مهما انفتق لسانه به ولو عدم التوقيف، ولكن تعذر منه لغة لم يعرفها إلا إن ألهمها، وربما يتواضع مع نفسه أو مع (2) غيره على المعاني كالذي يجري بيننا وبين البهائم من الواضعة كقولك عه عه للإبل إذا زجرتها، وتعاه للخيل إذا دعوتها، وشاه للجمل إذا استحثته، ومنه قول رسول الله عليه السلام للحسن بن علي (حين) (3) أخذ تمرة من تمر الصدقة ووضعها في فيه: (كخ كخ) / فألقاها. فقال عليه السلام: «أما علمت أن الصدقة لا تحل لمحمد ولالآل محمد» (4). الا ترى إلى الصم غذا اجتمعوا إلى أبناء جنسهم كيف يتواضعون بينهم كلاما يبعارفونه بإشارة ورموز يؤدي بها المعاني بعضهم إلى بعض، ولو انفتقت ألسنتهم لصح منهم الكلام، وليسوا بأنقص حالا من البكم الذين يتواضعون مع اللسن. وأجاز

هذا الفريق أن يخلق الله إنسانا بإلغاء صحيح العقل وينطق لسانه بلغة العرب أو بأي لغة شاءها الله عز وجل فيهتدي بها من غير مواضعة وتوقيف. ودليل ذلك حين تبلبلت ألسنتهم ببابل، وللفريقين فيه متعلق. فقال أهل المواضعة: إن ا÷ل كل ناحية مكثوا زمانا يتواضعون بينهم حين سلبوا السريانية. وقال آخرون: بل أصبح كل فريق قد انفتقت ألسنتهم بكلامهم ،انسوا السريانية فاستوحش بعضهم من بعض فافترقوا/ في البلاد. واستدل الفريقان أيضا بأبينا آدم عليه السلام حين نفخ فيه الروح، وجبريل الروح الأمين قاعد عند رأسه فلما دار الروح في أنفاسه عطس فقال له جبريل عليه السلام: قل الحمد لله يا آدم، أو يا أبا محمد. فقال آدم: الحمد لله. فقال له جبريل عليه السلام: يرحمك الله يا آدم أو يا أبا محمد، وهي الرحمة التي سبقت إليه حين قال الله تعالى: (سبقت رحمتي غضبي يا آدم) فتاب عليه حين عصى (1). فتعلق الفريقان، أهل التوقيف وأهل المواضعة في هذه النكته. فقال أهل التوقيف: ألا ترى إلى جبريل عليه السلام حين لقنه أن يقول الحمد لله. وقالت الفرقة الأخرى: ومن أنبأه بمعنى (قال) ولم يتقدم له توقيف على معنى (قل) مواضعة. وفي الرؤيا عبرة أن الرائي يسمع كلاما لا يعرف من أي لغة كانت فينفهم