الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٠عهد الرسول عليه السلام. واعتلوا بالبلاغ وقرنوه بالبيان. قالوا: فكذلك يجوز تأخير البلاغ إذا جاز تأخير البيان. قلنا: ولا سواء؛ أما البلاغ فمتعين الآن. وأما البيان فلا يتعين إلا عند حصول الفعل وحضور النازلة. فكما أن الفعللة وقت، وليس للابلاغ (5) وقت، وجميع الأوقات للإبلاغ وقت، وجميع أوقات الأفعال فمتراخية. فبطل ما اعتلوا به.
ومن الأدلة علىجواز تأخير البيان قول الله عز وجل ﴿أنا مهلكوا أهل هذه القرية إن إهلها كانوا ظالمين﴾ (1) حكاية عن الملائكة، ولولا ما وسع الناس من تأخير البيان إلى وقت الحاجة للزم/ إبراهيم أن يحكم على أهل القرية بالهلاك وبالبراءة من جميع أهل القرية. لكن إبراهيم علم أن للعموم خصوصا وبيانا، فقال: ﴿إن فيها لوطا﴾، مستفهما. ﴿قالوا: نحن أعلم بمن فيها﴾ (2). وقوله: ﴿إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ (3) وأخر بيان نعتها. ﴿واعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه﴾ (4) فذكر الأصناف وأخر القسمة. وحد ذوي القربى منهم بنو هاشم وبنو المطلب دون عبد شمس ونوفل. ومن جهة السنة: أن سائلا سأل رسول الله عليه السلام عن أوقات الصلاة، فأخر الجواب حتى صلى بهم صلاة يومين فقال: أين السائل عن أوقات الصلوات؟ فقال: «ما بين هذين أوقات الصوات» (5).
فصل
واختلف الناس في العموم والظاهر وأخبار الآحاد إذا تعارضت أيها أقوى. قال بعضهم: إن أخبار الآحاد/ أقوى من الظاهر. واستدلوا بقول أبي بكر الصديق رضي الله عنه عن رسول الله عليه السلام:» نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركناه صدقة» (6) وقال بعضهم: العموم أولى. ألا ترى إلى عمر كيف أبطل حديث فاطمة بنت قيس وقال: لا ندع كتاب الله عز وجل إلى قول امرأة لا تدري أصابت أم أخطأت. فأوجبالنفقة والسكنى للمبتوتة (7).
والظاهر والعام وأخبار الآحاد هي طرق مستعملة فإذا تقاومت غلبوا عليها الرأي والقياس واستصحاب الأصل.