الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٩٩اعلم أن الظاهر والباطن من الوجوه التي شرطنا فيها بيان القرآن وبيان أحكام الشرع.
اعلم أن (أحكام) (2) المحكم والمتشابه قد اندرجت في أحكام الظاهر والباطن، لأن المحكم بعض الظاهر، والمتشابه بعض الباطن.
وقد اختلف الناس في المحكم والمتشابه على أربعة أقوال؛ قال بعضهم: المتشابه حروف المعجم التي في أوائل السور. وهي سر/ الله تعالى في كتابه. والمحكم ما فيه أمر ونهي، وخبر واستخبار. واستدل هذا بقول الله عز وجل: ﴿منه آيات ..... متشابهات﴾ (3). وذكر من حجتهم أن الله تعالى قد ﴿أرسل ...... كله﴾ (4) والحاجة ماسة إلى الأوامر والنواهي وبيانها ليمتثل العباد ما رم لهم، ومحال أن يرسم لهم ما يتشابه عليهم. وإلى الأخبار والاستخبار لأن فيها بيان المثوبات والعقوبات؛ لأن بهما يمتثل المأمور ويجتنب المنهي. وإنما ورد الكل لقيام الحجة على الخلق حتى لا يقع التباس على الخلق من جهة البارئ سبحانه وتعالى، ولا تفاقهم أنه لا يجوز تأخير البيان بعد الحاجة إليه، وما وراء هذا من أوائل
السور وحروف المعجم إنما على الناس الإيمان بها. ومنه قول ابن عباس رضي الله عنه: اعملوا بمحكمه، وآمنوا بمتشابه./ واستدل هؤلاء أيضا، قالوا: إنما نزلت في شأن اليهود؛ حيي بن أخطب وأبي ياسر بن أخطب جاءا إلى رسول الله عليه السلام في نفر من اليهود جاؤا يسألون عن أوائل السور وقالوا: بلغنا أنه أنزل عليكم "الم" فقال عليه السلام: نعم. فالتفت بعضهم إلى بعض فقالوا: ما خير أمة إنما أكلهما احدى وسبعون سنة. فقالوا: هل غير هذا؟ فقال: "آلمص" فقالوا: هذه أكبر من الأولى وأطول: الألف واحدة، واللام ثلاثون، والميم أربعون، والصاد ستون. فهذه مائة واحدى وثلاثون. فقالوا: هل غير هذا؟ واتق الله يا محمد ولا تقل إلا الحق. قد بعث فينا أنبياء كثيرة فما عرف أحد منهم مقدار أكل أمته. فقال: "آلمر" فقالوا: هذه أطول من الأوليين وأثقل، وقد خلطت علينا ولا ندري أي قولك نتبع. فقال أبو ياسر: