وللآخرة خير وأبقى أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

وللآخرة خير وأبقى لأحمد الخليلي

الجزء ١ · صفحة ٤

أما إن جعلها غاية ، فإنه يكون قد أعطاها فوق حقها ويكون قد غبط الآخرة حقها ، على أن الدنيا لا تسوى شيئاً بجانب الآخرة ، فإن الآخرة لو كانت تراباً وكانت الدنيا ذهباً لكانت الآخرة أحرى بأن يحرص عليها من أجل بقائها وخلودها . فكيف وإن كانت الآخرة أغلى من الذهب والدنيا أرخص من التراب فبطبيعة الحال يجب على الإنسان أن يحرص على الدار الآخرة ، على أن الناس وإن كانوا متفاوتين في هذه الحياة الدنيا فمنهم من يعيش لحظات ، ومنهم من يعيش عمراً مديداً بالنظر في مقاييس البشر ، وهم متفاوتون أيضاً في المال فمنهم من يفتح له باب الدنيا فتحاً ، ومنهم من من يقدر عليه في رزقه ، فهم متفاوتون أيضاً في سائر المواهب الحسية والمعنوية كالملكات الظاهرة والباطنة والحظوظ والأقدار وغير ذلك مما يغتر به الناس من متاع هذه الحياة الدنيا ، ولكن ليس في ذلك تغابط ، فمهما كان هناك تفاوت في الأعمار ، ومهما كان هناك تفاوت في الطاقات والقوى والملكات (4) ومهما كان هنالك تفاوت في الحظوظ ، ومهما كان هنالك تفاوت في الأموال ، فإنه في الحقيقة لا يعد ذلك تغابناً . فالتغابن الحقيقي بين الناس هو التغابن في توفيق الله تبارك وتعالى لهم بالطاعة وحسن العمل . فبقدر ما يوفق الإنسان من أجل طاعة الله يكون نصيبه أوفر ، وبقدر ما يحرم من هذا التوفيق يكون خاسراً . فشتان بين من واجه الشدائد في الدنيا وكابد المشاق ، ثم انقلب إلى الجنة عرضها السماوات والأرض فيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين ، بحيث لا تعلم نفس ما أخفت لها من قرة أعين ، وبين من أوتي حظاً في الدنيا ، وبسط في رزقه ، وبسط له في جاهه وسلطانه ونفوذه ، وأوتي أيضاً حظاً من القوة الجسدية ، وأوتي من كل ما يستمع به الناس من متاع الحياة الدنيا ، ثم انقلب بعد ذلك إلى نار وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ، فشتان بين المصيرين .

٤ / ١٥