الملاحن لابن دريد شرح وتحقيق عامر ونيس
الجزء ١ · صفحة ١٣٠قال الراجز:
لا تقْلُوَاها … وادْلُواها دلوَا … إنّ مع اليوم أخاه … غدْوا(1)
وتقول: والله ما لي دار ولا أملك موضع دار. فالدار من أودية هجر، معروف(2) .
وتقول: والله ما عندي دبس. الدبس الكثير من كلّ شيء(3) . ذكره الخليل(4)
(1) – هذا البيت استشهد به ابن منظور في مادة «دلا». والقلْوُ في هذا البيت السَوْق الشديد، فيقال: الدابة تقلُو بصاحبها قلْوًا، وهو تقدمها به في السير في سرعةٍ. ويقال: جاء يقلو به حماره، وقلَت الناقةُ بركابها قلْوًا، إذا تقدمت به.
(2) – دار معرفة لا تدخلها الألف واللام. قال ابن دريد: هو وادٍ قريب من هجر، وهي بلدة باليمن، وهجر كانت عاصمة البحرين قبل الإسلام. وتسمّى أيضا الهفوف في هذا القرن.
انظر: كارل بروكلمان، تاريخ الشعوب الإسلامية، ترجمة نبيه أمين فارس، ومنير بعلبكي، طبعة دار العلم للملايين، بيروت، ط12، 1993. ص87، 230.
(3) – قال ابن منظور: الدَّبْس والدِّبس: الكثير. والدَّبْس الجمع الكثير من الناس. ويقال: مال دبْسٌ وربْسٌ أي كثير. والدِّبس والدَّبِس: عسل التمر وعصارته.
انظر مادة «دبس» في لسان العرب.
(4) – هو أبو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي اليحمدي الأزدي العماني، من بلد وادام، من أئمة العلم واللغة والأدب. وواضع علم العروض، كان مرجعا في مشكلات العربية، وكعبة القاصدين لطلب علم النحو. واستنبط علم= =العروض من فن الموسيقى، فكان بارعًا فيه. وكان زاهدا في الدنيا، ما صار به مضرب المثل. فهو الذي قال في الزهد والورع:
أنِستُ بوحدتي … ولزمت بيتي … فطاب الأنس لي … ونما السرورُ
وأدبني الزمان … فلا أبالي … هجرت فلا أزار ولا أزور
ولست بسائل … ما دمت حيًّا … أسار الجيش أم ركب الأمير
كانت ولادته بعمان، وإقامته كانت بالبصرة، وبها مات سنة 170هـ، كان فقيرا صابرًا، وكان له راتب على سليمان بن حبيب بن المهلب بن أبي صفرة الأزدي، وكان واليا على فارس والأهواز، فكتب إليه يستدعيه، لكن الخليل أجابه:
أبلغْ سليمان أني عنه … في سعة … وفي عنى … غير أني لست ذا مال
إلى أن يقول:
والفقر في النفس … لا في المال نعرفه … ومثل ذاك … الغنى في النفس لا المال
فقطع عنه سليمان الراتب، فقال الخليل :
إن الذي شقَّ فمي … ضامنٌ … للرزق حتى … يتوفّاني
حرمتَني خيرا … قليلا فما … زادك في مالك … حرماني
ولما سمع بذلك سليمان اعتذر إليه وأضعف راتبه.
وللخليل تآليف كثيرة الفائدة ممتعة، ومن أشهرها على الإطلاق كتاب "العين" في اللغة. وأخباره كثيرة، وسيبويه النحوي أحد تلاميذه. وسبب موته أنه كان منشغلا في ابتكار طريقة في الحساب تسهّله على الناس، فدخل المسجد وهو سابح في ذلك فصدمته سارية وهو غافل عنها، فانقلب على ظهره فكانت سببا في موته.
انظر: ابن خلكان، وفيات الأعيان، المجلد الثاني: ص244 وما بعدها. الزركلي، الأعلام: 2/314.