الملاحن لابن دريد شرح وتحقيق عامر ونيس
الجزء ١ · صفحة ١٩منطق صائب … وتلحن أحيا … نا،وأحلىالحديث ماكان لحنا(1)
(1) – وييروى : منطق واضح ، ومعنى صائب : قاصد الصواب وان لم يصب ، وتلحن أحيانا أي تصيب وتفطن ، وقيل: تريد حديثها عن جهته ، وقيل : تعرّض في حديثها ، والمعنى فيه تقارب ، قال وكأنّ اللحن في العربية راجع إلى هذا لأنه العدول عن الصواب ، قال عثمان بن جني : منطق صائب أي تارة تورد القول صائبا مسدّدا وأخرى تتحرّف فيه وتلحن أي تعدله عن الجهة الواضحة معتمدة بذلك تلعّبا بالقول ، وهو من قوله : ولعلّ بعضكم أن يكون ألحن بحجّته أي أنهض بها وأحسن تصرّفا ، قال : فصار تفسير اللحن في البيت على ثلاثة أوجه : الفطنة والفهم ، وهو قول أبي زيد وابن الاعرابي وان اختلفا في اللفظ . والتعريض وهو قول ابن دريد ( صاحبنا) والجوهري ، والخطأ في الاعراب على قول من قال تزيله عن جهته وتعدله عن الجهة الواضحة ، لأن اللحن الذي هو الخطأ في الاعراب هو العدول عن الصواب ، واللحن الذي هو المعنى والفحوى كقوله تعالى : (( ولتعرفنّهم في لحن القول )) أي في فحواه ومعناه . وروى المنذري عن أبي الهيثم أنه قال : العنوان = =واللحن واحد ، وهو العلامة تشير بها الى الانسان ليفطن بها الى غيره، تقول : لحن لي فلان بلحن ففطنت ، قال الشاعر: وتعرف في عنوانها بعض لحنها وفي جوفها صمعاء تحكي الدواهيا .
ويقال للرجل الذي يعرّض ولا يصرّح قد جعل كذا وكذا لحنا لحاجته وعنوانا . وفي الحديث : وكان القاسم رجلا لحنة ، يروى بسكون الحاء وفتحها وهو الكثير اللحن ، وقيل هو بالفتح الذي يلحن الناس أي يخطّئهم ، والمعروف في هذا البناء أنه الذي يكثر منه الفعل كالهمزة واللمزة والطلعة والخدعة ونحو ذلك . انظر ، لسان العرب مادة ( لحن ) وقال أبو المبرد : أراد بتلحن تصيب وتفطن ، وأراد بقوله : ما كان صوابا . ويرى ابن قتيبة لأن اللحن في البيت معناه الخطأ ، وأن هذا الشاعر استملح من هذه المرأة ما يقع في كلامها من الخطأ واستظرفه ، وقال ابن الأنباري : قوله عندنا من المحال ، لأن العرب لم تزل تستقبح اللحن من النساء كما تستقبحه من الرجال ويستملحون البارع من كلام النساء كما يستملحونه من الرجال ، والدليل على هذا قول ذي الرّمة يصف امرأة بحسن الكلام .
ها بشر مثل الحرير ومنطق رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر .
واللحن لا يكون عند العرب حسنا اذا كان بتأويل الخطأ لأنه يقلب المعنى ويفسد التأويل الذي يقصد له المتكلم . قال قيس بن الخطيم يذكر امرأة أيضا :
ولا يغثّ الحديث ما نطقت وهو بفيها ذو لذة طرف
تخزنه وهو مشتهى حسن وهو اذا ما تكلّمت انف
قال المفسرون : فلو كانت هذه المرأة تلحن وتفسد ألفاظها كانت عند هذا الشاعر الفصيح غثّة الكلام ولم تستحسن عنده وصفا ، بجودة المنطق وحلاوة الكلام . وانظر عن هذا الشاعر : كتاب الأغاني لأبي الفرج الاصفهاني ، ط ، الخامسة ، دار الثقافة بيروت لبنان سنة 1981 المجلد 3/3 إلى 26 . والعرب في أشعارهم يصفون النساء بحسن المنطق ويستملحون منهم رواية الشعر وقرضهن الأبيات منه، فإذا = =كانت قادرة مستحسنة من طرف محبيها ، وهذا ما نلاحظه فيما يروى عن عزّة وبثينة وليلى الأخيلية وعفراء بنت مهاصر ، وأن ذلك كان يزيد في محبة أصحابهن لهن لما عرفوا من المرأة الفصاحة والاقتدار والإجادة في التعبير ، إلا وحلّت في القلوب محلّ الإعظام . قال ابن الأنباري : وكيف يكون الخطأ في الكلام مستحسنا والصواب مستسمجا ، والعرب تقرب المعربين وتنتقص اللاّحنين وتبعدهم ، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول لقوم استقبح رميهم : ما أسوأ رميكم فيقولون نحن قوم متعلمين فيقول : لحنكم أشدّ عليّ من فساد رميكم ، سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( رحم الله امرئ أصلح من لسانه )) وقال عمر بن عبد العزيز: ان الرجل ليكلمني في الحاجة يستوجبها فيلحن فأرده عنها وكأني أقضم حبّ الرمان الحامض لبغضي استماع اللحن ، ويكلمني آخر في الحاجة لا يستوجبها فيعرب فأجيبه إليها التذاذا لما أسمع من كلامه. أنظر لسان العرب لابن منظور مادة ( لحن ) .