الملاحن لابن دريد شرح وتحقيق عامر ونيس
الجزء ١ · صفحة ٥وهذه رواية تدل أن ابن دريد عماني الأصل، على الرغم من شهرة نسبته إلى البصرة، فرثاؤه لقتلى تنوف ودماء، واستنهاضه لقومه بني مالك بن فهم، وغيرهم من الأزد، وذكره لكثير من البلدان والمواضع بعمان، مثل تنوف والروضة ودماء، وحتى وخت، وما وصف به نفسه في شعره الذي خاطب به قومه، والذي ظهر عليه طابع القبلية والعصبية، أنه ولو طوحت به الغربة وحال البعد بينهم وبينه، فهو مستاء لما يجري عليهم، ومهتمّ بأمورهم، ويبذل النصائح لهم منذ حداثة سنه، مع استمرار ذلك طول حياته، ويتمنى أن يكون حاضرا معهم في مواقفهم الحرجة، إلا أن الخطوب والغربة اللتان طوّحتا به عن وطنه، قيداه عن مشاركته لهم في ما نالهم من ضيم و شرّ هزيمة، لذلك شبّه نفسه بالصيدان يرى الماء وهو مقيّد، فيمنعه قيده عن الورود، حيث يقول في قصيدته التي مدح بها الحارثي العماني:
وإني وإياكم لما … قد يعولني … وفرط نزاعي … والذي هو رائثي
لكالماء والصيدان … نازع قيده … وقد حصرت عنه … رحاب المباغث
وفي شعره ما يدلّ على تعلّقه بوطنه عمان، فالقارئ لشعره يلحظ بوضوح تلك المعاني، سواء كان منه في المديح أو الفخر أو الرثاء، بما في ذلك استنهاضه وتحريضه لقومه، والتوجع لهم، مثلما جاء في قصيدته التي مدح بها الحارثي العماني، واسمه عياذ بن عمرو(1) .وكذلك رثاؤه لقتلى تنوف من قومه، وغيرهم من العتيك واليحمد، والتي مطلعها:
إنما فازت قداح … المنايا … يوم حازت خضلها … بتنوفا
إلى أن يقول:
ليس يوم الروضة … الدهر جميعا … إن للأيام كرًّا … عطوفا
وقال أيضا في وقعة الروضة بتنوف :
نبَه نابه … وخطب جليل … بل رزايا لهن … عبءٌ ثقيل
إن بالبقاع … من تنوف محلا … ليس للمكرمات … عنه حويل
إن بالروضين هامًا … نزافا … لم يقل من ثوى … هناك قتيل
وفراهيدنا الذين على … الرو … ضة من خيلهم … دماء تسيل
(1) – نفس المصدر السابق، ص114/115