العزيمة والرخصة لأحمد الشيخ أحمد - ب تخرج
الجزء ١ · صفحة ٢٧فلو كانت الرخص مأمورا بها ندبا أو وجوبا كانت عزائم لا رخصا ، لأن الوجوب هو حتم لازم لا خيرة فيه ، والمندوب أيضا في مطلق الأمر .فلا يصح أن يقال إن المندوبات شرعت للتخفيف والتسهيل مع أنها مأمور بها ، والرخصة لا تكون مأمورة بها ، و إلا رجع الوجوب والندب إلى عزيمة أصلية لأنه راجع إلى أصل كلي ابتداء كأكل الميتة للمضطر إذا خاف تلف نفسه ، لأنه مأمور بإحياها ، قال تعالى : }ولا تقتلوا أنفسكم {(1) .وإن سمي رخصة فهو من جهة رفع الحرج عن نفسه ؛فهو رخصة في غير الاضطرار الذي لا يصل إلى تلف النفس ، وعزيمة إذا وصل إلى تلف النفس .(2) وقد تردد ابن دقيق العيد وإمام الحرمين في الواجبات هل يوصف شيء منها بالرخصة.قال أبو عبيدة مشهور:" والحق ما أشار إليه المصنف من أن وصف العمل بالوجوب والرخصة معا لا يصح إلا مع اختلاف الجهة ، فإساغة الغصة بالخمر كتناول الميتة للمضطر هو من حيث الدليل المانع رخصة ، ومن حيث الوجوب عزيمة."
قال الشاطبي : وجمع مزدلفة ونحوه لا نسلم أنه رخصة بل هو عزيمة متعبد بها عند من يقول بوجوبه ، وكذلك صلاة السفر ليست رخصة عند من يقول إن الأصل الذي فرض هو ركعتين فقط ، فيكون هو الأصل . (وقد ذكرنا أنها سميت رخصة مجازية عند الحنفية.) إذ ليس كل ما كان رفعا للحرج يسمى رخصة ، فلا بد فيه من قيد مستثنى من أصل كلي يقتضي المنع ، و إلا لزم أن تكون الشريعة كلها رخصة لخفتها ويسرها بالنسبة إلى الشرائع السماوية المتقدمة . فلا نسمي شرع الصلاة خمسا رخصة لأنها شرعت في السماء خمسين صلاة ، فكل ما خرج عن مجرد الإباحة فليس برخصة .(3)
إذا الأصل في الترخص أنه يجوز لمن قام به العذر أن يأخذ بالعزيمة وأن يأخذ بالرخصة ولا يترجح أحدهما إلا بدليل.(4)
(1) النساء ،29 .
(2) - الشاطبي: الموافقات ، 1/477.
(3) - الموافقات ،1/483.
(4) - د . محمد سليمان الأشقر : الواضح في أصول الفقه ، ط:5 1997م ، دار النفائس الأردن ،ص 53.