أدب الرحلة عند القطب أطفيش يحيى بن بهون حاج امحمد

أدب الرحلة عند القطب أطفيش

الجزء ١ · صفحة ٤٤

أيامًا بعد ذلك اكترى وفد الحجاج سفينة إسبانية أصحابها من سكان جبل طارق، لتُقلَّهم عبر البحر المتوسط إلى الحجاز، وقد مرت السفينة بجزر صقلية وسردينيا التي تقابل تونس في البحر، كما وصفها بذلك.

وصلت السفينة التي تقلُّ وفد الحجيج إلى ميناء الإسكندرية بعد أيام قليلة، فرست هناك بعض اليوم ثم شقت طريقها باتجاه بحر القُلزم أو البحر الأحمر عبر قناة السويس، وقد وصف الشيخ أطفيَّش كيف شُقت الجبال الراسيات وصار بها معبر كبير للسفن المتنوعة.

مسيرة أيام حتى حل الركب في ميناء جدة وهم فرحين مستبشرين بوصولهم سالمين غانمين إلى أرض الحجاز، فساروا إلى البيت الحرام وكلهم شوق إلى رؤيته وتقبيل الحجر الأسود، فصادف دخولهم إليه نزول أسراب الحمام إليهم واقترابها منهم وكأنها جاءت تسلم عليهم، كما التفت بهم وفود الحجيج من مختلف الأصقاع ولاسيما الموافقون(1)، وقد كانت فرصة مواتية للتعارف والتواصل بين مختلف المشايخ والعلماء، ومن بعض ما طرح من المسائل على سبيل المثال: قضية جرِّ اليد على البيت الحرام حين الطواف به، وأول من بدأ النطق بلغة العرب، وقصة وضع التشكيل والنقط على آيات القرآن الكريم، ومسألة الإشارة إلى الحجر الأسود حين الزحام هل تُجزي عن اللمس أم لا؟ .. وغيرها من المسائل الفقهية المتعلقة بأداء مناسك الحج، ومنها قوله:

87 … دَنَونَا فَدَانَانَا الحَمَامُ كَمَن أَتَى … يُسَلِّمُ وَهُو آمِنٌ إِثرَ(2) استَرَا

88 … وَقَد أَكثَرَ السُّؤَالَ في مَكَّةَ المُوَا … فِقُونَ وَأَصحَابُ المَذَاهِبِ وَاحتَرَا(3)

89 … فَعَن جَرِّ بَعضِ الطَّائِفِينَ يَدًا عَلَى … جِدَارِ الحَطِيمِ قُلتُ: جُورٌ بِحَرفِ رَا

90 … لأَّنَ الطَّوَافَ عِندَ ذَاكَ بِبَعضِهِ … عَلَى بَعضِ بَيتِ اللهِ فاَلفَرضُ قَد حَرَى

91 … سِوَى مَا نَشَاءُ وَقَولِ أَربَعِ أَذرُعٍ … وَسَبعُ ثَلاَثٍ أَو سِوَاهُ فَبِالمِرَا

92 … وَنَاوِي المقَامَ(4) قِبلَةً لاَ صَلاَةَ لَهُ … وَلاَ لَبسُ ثَوبٍ وَاصِفٍ مِثلَ مَن سَرَى

وقد عرف علماء مكة مكانة القُطب العلمية فتسارعوا إلى الجلوس إليه مباشرة عقب انتهاءه من أداء جميع المناسك، حتى قرّبوه إليهم وقدموه للدرس في حضرة الناس بالمسجد الحرام.

تناقش الشيخ أطفيَّش مع علماء مكة أمثال رحمة الله الهندي وزيني دحلان ومحمد حسبي الله الكثير من القضايا الفقهية، فتبين له الموافقة والتقارب في أغلبها، كما كانت فرصة للاستزادة

(1) - الموافقون: عبارة يرددها القُطب أطفيَّش ويقصد بها أصحاب المذاهب الإسلامية السنية وهي توافق مذهبه الإباضي.

(2) - في ن (ب): أبرَّ.

(3) - إن كثرة السائلين عن الدين من حول القُطب لدليل واضح على مكانته العلمية كما مرَّ في التقديم.

(4) - المقام: مقام إبراهيم - عليه السلام -، يريد أن من أراده قبلة لصلاته فلا صلاة له لأن الأصل استقبال الكعبة.

١٢ / ١٩