أدب الرحلة عند القطب أطفيش
الجزء ١ · صفحة ٤٣من سكانها لاسيما منهم جموع بني مزاب من التجار، فهم متواجدون بها بكثرة منذ قديم الزمان وخاصة منهم تجَّار بلدة العطف (تجنينت)، الذين انصهروا في المجتمع "النَّايلي" وكوَّنوا علاقات حميمة مع سكان المدينة تماما كما توطدت علاقاتهم مع البدو الذين يقصدون محلات المزابيين بكثرة لشُهرتهم بالصدق والأمانة.
نزل القطب ومرافقوه ضيوفًا عند المدعو باحمد بن صالح السماوي(1) وهو من التجار المزابيين المرموقين بالجلفة، وقد استدعى هذا الأخير للضيافة أيضًا عنده _بمناسبة حضور القُطب_ بعض أعيان المدينة وأشرافها ومنهم أشراف عرش أولاد نايل(2) وأشراف بن لحسن(3)، وأحد الكرماء الأسخياء ويدعى بلقاسم من أولاد بلَّحرش(4) ومن غيرهم أيضا، وقد أمضى القُطب معهم ساعات طيبة، كما مدحهم طويلاً وذكر مناقبهم الجليلة.
وعن تسمية الجلفة يقول القُطب: "تسمى كذلك لأنَّ أهلها من طبيعتهم القُلف في السخاء والكرم، والقِلف من العَيْشِ: الرغدُ الناعِمُ، ومنها سَنَةٌ قَلْفاءُ: أي مُخْصِبَةٌ وعامٌ أقْلَفُ مُخصب كذلك .. "(5).
بعد يوم أو يومين جدد الركب الرحلة إلى الشمال باتجاه مدينة المدية، وفي طريقه إليها ذكر الشيخ بعض ما شاهده من طبائع الأقوام المنافية للشرع الحنيف، ومنها حلق اللِّحية والاستطالة في الشوارب، وقد بين وجه الدين في ذلك، وذكر ما يلزم صاحبها من أداء الكفَّارات مع التوبة والإنابة.
وغير بعيد عن المديَّة جاءه الخبر بأنَّ الأوربيين يتحدثون عن كروية الأرض ويتمارون في ذلك فحاججهم بقوله تعالى: "والشمس تجري لمستقر لها، ذلك تقدير العزيز العليم" سورة يس، آية 38. وهو الدليل الواضح على كروية الأرض وعدم استقرارها، وبدورانها حول نفسها وحول الشمس.
ولما دخل المديَّةَ صادف ردَّ الفرنسيين مسجدًا للمسلمين كانوا قد احتلوه أو احتله أغياظ اليهود، فوقف فيه مخاطبًا المسلمين مهنِّئًا لهم على استرجاعهم له(6).
بعد مسيرة يوم وصل مدينة البليدة وفيها تلقى ترحيبًا جماهيريًا كبيرًا من سكانها ومن التجار المزابيين بها كذلك، وقد اغتنم بعض الطلبة الفرصة للسؤال وطلب الفتوى فكان القُطب يجيبهم مستبشرًا من دون تردد.
سار الأمر مع القُطب والوفد المرافق له تمامًا كما عهد في كل مرحلة فعندما دخلوا مدينة الجزائر التي تُعرف قديمًا بجزائر بني مزغنَّة، تسارعت إليه الوفود بأنواع الاحتفال ومجالس الأنس والذكر وطلب الفتوى.
(1) - باحمد بن صالح: من آل السماوي من العطف، من تجار مدينة الجلفة المرموقين على عهده، وقد ورد على هامش النسختين (ع) و (ب): [هو جد حمو السماوي]، وهو ما أكده لي بعض آل سماوي. وهو سليل عائلة مرموقة، شارك معظم أبنائها في الثورة التحريرية المظفرة، ولا زال لبعضهم تجارة وعقارات بالجلفة ومسعد. لقاء مع الأستاذ المحامي: سماوي عمر بن عيسى، بمكتبه بغرداية، بتاريخ: 15/ 07/2007.
(2) - أولاد نايل: من أكبر القبائل في تنحدر من أصول عربية، تنسب هذه القبيلة إلى محمد بن عبد الله بن الأمير مؤسس دولة "الأدارسة"بالمغرب الأقصى هو عبد الله الكامل بن الحسن المتن بن الحسن السبط من ذرية "الإمام علي بن أبي طالب" و"فاطمة الزهراء" بنت رسول الله.
(3) - أولاد بن لحسن: نسبة إلى السبط الحسن بن الإمام علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، وهو عرش شهير بالجلفة إلى اليوم.
(4) - أولاد بن لحرش: من أعرق العروش في مدينة الجلفة وأشهرها، ينحدر منها آل بن شريف المعروفين.
(5) - ينظر: القصيدة الحجازية، القُطب أطفيَّش، البيت 24.
(6) - هذا المسجد هو المسجد الحنفي بمدينة المدية، وهو من أعرق المساجد بها، وقد ذكر لي الباحث الشيخ المختار اسكندر بأن المسجد الحنفي كان قد اغتصب من طرف الفرنسيين ثم ردّ للمسلمين في 1886 وهي السنة التي حج فيها القُطب، لقاء مع المختار اسكندر بمنزله بحي المصلى بالمدية في ديسمبر 2007.