أدب الرحلة عند القطب أطفيش يحيى بن بهون حاج امحمد

أدب الرحلة عند القطب أطفيش

الجزء ١ · صفحة ٤٦

أهل مكة ومن مختلف العلماء الأعلام، وافترقوا بعد ذلك وقلوبهم متعلقة بتلك الأماكن الجليلة وعيونهم تسيل من فراق البيت الحرام

140 … وَلَمَّا اعتَرَفنَا وَامتَنَينَا(1) وَوَادَعُوا … مَعِي البَيتَ بَيتَ رَبِّنَا افتَرَقُوا افتِرَا

141 … وَأَبكَى فِرَاقُ البَيتِ عَينِي وَأَحرَقَا … بِهِ القَلبَ إِذ وَادَعتُهُ أَيَّمَا احتِرَا

اتجه ركب الحجاج قاصدًا المدينة المنورة مرورًا بجُعرانة وعُسفان، وفي هذه الأخيرة التقى القُطب ببعض الأشاعرة الذين بادروا بطرح بعض الأسئلة عليه فلم يكن من الشيخ إلاَّ أن يجيبهم بما علم في الموضوع، ومنها إلى صُفرى وبها قوم من الصفرية أو أتباع زياد بن الأصفر، ثم منها إلى عيون بدر ثم وادي حُنين فالطائف، وصولاً إلى طيبة أو المدينة المنورة.

نزل الحجاج ومعهم القطب أطفيَّش ضيوفًا على المدينة المنورة وزاروا قبر الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، وما كانوا ليخرجوا منها لولا موعد الرحلة، فقد تعلقت أرواحهم بها فصاروا كطامع في وصل ما انفصل، وخرجوا منها ودموعهم تسيل إلى وجهة ينبُع أو الينبوع وهي مدينة على ساحل البحر الأحمر تقابل المدينة المنورة في نفس الخط بينهما مسيرة ليلة.

ركب وفد الحجاج السفينة التي أقلَّتهم من ميناء ينبُع مرورًا بقناة السويس فميناء الإسكندرية نزولاً بميناء تونس الخضراء.

نزل وفد الحجاج من السفينة بأرض تونس وساروا فيها أيامًا، زاروا خلالها الجامع الكبير أو جامع الزيتونة، كما انعطفوا عند بعض المزابيين المقيمين بتونس ومنهم طلاب العلم والتجار الذين فرحوا كثيرًا بلقائهم، ومن بين من ضفر بضيافة القُطب عنده إبراهيم بن عمر وهو أحد أعيان المزابيين بتونس، وقد أحسن إكرام القُطب وأنزله منازل الخلفاء، وفعل كذلك مع جماعة الطلبة الذين معه، فأحبَّ القُطب لقائه حتى إنه عندما جدد للرحلة صعب عليه كثيرًا فراقه.

بعد مسيرة أيام دخل القُطب أطفيَّش مدينة بُونة وهي المعروفة اليوم بعنابة إحدى عواصم الشرق الجزائري الساحلية، فتلقوا ترحابًا وإكرامًا من الناس في كامل طريقهم، وقد نزل القُطب ضيفًا على المدعو يحي بن صالح وهو حفيد الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، وأحد أعيان بني مزاب البارزين في مدينة عنابة، وفيها أيضًا الأجودان عيسى بن صالح وعيسى بن الحاج، وهما كذلك من تجار بني يسجن المرموقين بعنابة.

ذكر القُطب بعد ذلك أن الركب سار يريد الخروج من عنابة فتلقاهم عساكر الاحتلال قصد تفتيشهم، ففتشوا الجميع إلا القُطب وزوجه فإنهم لم يقتربوا منهم بتاتًا، وذلك بحفظ الله ورعايته سبحانه.

(1) - يريد: وقفنا بعرفات ودخلنا مِنًى، وهما مشعران من مناسك الحج شهيران.

١٤ / ١٩