أدب الرحلة عند القطب أطفيش
الجزء ١ · صفحة ٤٧بعد مسيرة أيام وصل الوفد مدينة قسنطينة، وهي إحدى عواصم البلاد الشرقية الداخلية، ومنها إلى ?المة فباتنة ثم جَيبُ الأمير فبسكرة، وكلها مدن داخلية في الجهة الشرقية من الجزائر، وصولاً إلى شط الجريد حيث البوابير التي تعمل على استخراج الملح وتجفيفه ونقله، ومنها قوله:
213 … أَقَمنَا وَسِرنَا وَالأَنَامُ بِمَنظَرٍ … إِلَينَا عَلَى الِإحسَانِ حَتىَّ النُّصَيرَى
214 … بِقَسَنطِينَةَ(1) وَالأَصلُ قَسَنطِينُ وَهُو مَن … بَنَاهَا وَزِيدَ التَّا جَلَّتهُ العَبَوتَرَى
215 … وَ?َالمَةُ(2) وَأَصلُهَا قَلَّ مَاؤُهَا … أَو قَطَعَت أَصلَ العِدَا بِالحَبَيكَرَى
216 … وَبَتنَا(3) وَأَصلُهُ بَقِينَا مَبَاتَنَا … فَحُرِّفَ وَأُكِّدَ رَاسِمُهَا أَيَّمَا كَدرَا
217 … بِجَيبِ الأَمِيرِ الجُندِ: إِنَّ مَبَاتَنَا … مَبَاتٌ بِأَمسِنَا الَّذِي اختَرَم اختِرَا
218 … وَذَاكَ زَمَانُ فَتحِ مِصرَ هَتَاكَ في … يَسَارِ الَّذِي يَمضِي لِبِسكَرَةَ اقتَرَا
219 … بِفَتحٍ وَكَسرِ البَاءِ وَاللَّفظُ مِن كَربِ … جَرِيدٍ يَمَامٌ فَوقَهُ وَالحُبَيرَا
ولم يفصل القُطب بعد ذلك في المراحل التي تلي هذه المرحلة، ولا ندري لماذا؟ غير أنه من الممكن أن يكون قد سلك نفس طريق الذهاب أي دخل الجلفة ثم الأغواط فبريان فمزاب، أو أنه سلك طريق الجنوب أي من بسكرة باتجاه تو?رت وصولاً إلى القرارة فبريان فوادي مزاب.
دخل القُطب مدينته بني يسجن مطمئنًا وسط احتفال جماهري حاشد محتفٍ بعودة عالمهم سالمًا غانمًا، فأثنى القُطب طويلاً على كل من ساهم في إنجاح رحلته التاريخية تلك، ولاسيما يوسف بن عيسى بن صالح صاحب الهودج والبغل الذي نقل زوج الشيخ إلى الحجاز ذهابًا وإيابًا، وهذا آخر القصيدة:
221 … فَعَوَّضَنِي رَبِّي كَرِيمًا لَهُ أَبٌ … كَرِيمٌ وَأَجدَادٌ كِرَامٌ لَهَا اندَرَى
222 … جَوَادٌ تَلاَهُ الجُودُ مِن سِتَّةٍ وَقَد … فََدَتهُ نُفُوسُ حَاسِدِيهِ عَلَى اعتِرَا
223 … إِذَا هَمَّ أَمضَى هَمَّهُ فَيُصِيبُ مَا … يَرُوقُ العُقُولَ فَهِيَ فِيهِ بِغَيرَا
224 … كَهَودَجِهِ الَّذِي عَلَى بَغلِهِ رَسَا … كَقَبضَةِ جِصٍّ أُحكِمَت فَوقَ قَنصَرَى(4)
225 … فَزَوجِي فِيهِ مِثلُهَا فِي أَرِيكَةٍ … فَلَم تَخشَ وَقصًا(5) أَو سُقُوطًا بِزَيغَرَى
(1) - قسنطينة: هي سيرتَا، من أشهر مدن الشرق الجزائري، حافلة بآثارها الإسلامية وعلمائها المرموقين.
ينظر: أحمد توفيق المدني، كتاب الجزائر، المطبعة العربية بالجزائر، ط1، 1350هـ، ص231 وما بعدها.
(2) - ?المة: مدينة ابتناها البربر والفينيقيون، شهيرة بحمَّاتها المعدنية، ينظر: نفسه، ص230.
(3) - باتنة: اسمها القديم رأس العيون، وفي سنة 1849 صارت رسميا باتنة. ينظر: نفسه، ص195.
(4) - شبه مظهر الهودج على البغل، كقبضة جِصٍّ وهي مادة للبناء والطلاء صلبة، أحكمت فوقه بشدة.
(5) - وقَصَ عُنُقَه: كَسَرها، يريد: أن زوجه لم تخش السقوط من بغلها فينكسر عنقها وتموت ..