أدب الرحلة عند القطب أطفيش يحيى بن بهون حاج امحمد

أدب الرحلة عند القطب أطفيش

الجزء ١ · صفحة ٣٤

الجيِّد، أضف إلى ذلك سياسة التضييق الممارسة عليه من طرف المستعمر الفرنسي وأذنابه والتي عانى من ويلاتها القُطب وطلبته الكثير، ولعل من أحقرها إجبارية طلب رخص التنقل بين قرى مزاب وخارجها وتعسف الحكام العسكريين لمزاب بمنحها.

2 - رحلاته الحجازية:

تُجمع كل المصادر التي بين أيدينا اليوم على أن القُطب أطفيَّش قد حجَّ مرَّتين في حياته أمَّا الأولى، فقد كانت حوالي سنة 1290هـ/1873م وهي التي تردد ذكرها كثيرًا في مؤلفاته، وقد مكث في مكة مُجاورًا(1) سنة كاملة، درَّس خلال وجوده هناك كتاب: "السنوسية في عقائد المالكية"، وإن كان شرح هذا الكتاب من طرف القُطب لم يصل إلينا بعد(2)، وقد دَوَّنَ عن تلك الرحلة معظم ملاحظاته ولقاءاته مع الشخصيات والعلماء، وألَّف فيها كتابه الشهير في المنطق وهو: "إيضاح المنطق في بلاد المشرق"(3)، وقد كتب القُطب على وجه الورقة الأولى ما يأتي: "إيضاح المنطق في بلاد المشرق، ألَّفتُهُ في مكة، ولعلماء مكة تطاول إليه، وذلك في عهد الشيوخ الشافعيين دَحلاَن ومحمد حَسِبيَ الله ورَحمَة(4)، والشيوخ الحنفيين عجمًا وعربًا، فمن العجم التركيين الشيخ محمد حقي بن علي بن إبراهيم(5) مؤلف "حزب الأبرار وحصن الأخيار" وغير ذلك، وكلهم محبُّون لي ولأموري"، وقد أعار القُطب هذا الكتاب لملك زنجبار سعيد بن علي الصقري وهذا بعد عودته من الحج ليقوم بطبعه على نفقته الخاصة، وهو ما ورد في عبارة صغيرة على جانب الورقة الأولى نفسها بخط القُطب نفسه وهي: "إلى الشيخ سعيد بن علي الصقري يطبعه ويردّه إلى مؤلفه امحمد بن الحاج يوسف مع نُسخة من مطبعة، لأنه لما يُنسخ".

أما رحلته الحجازية الثانية فقد كانت سنة 1303هـ/1886م والتي أرخ لها بأن كتب فيها "قصيدته الحجازية" وذكر فيها مسلك رحلته تلك إلى الحجاز ذهابًا وإيابًا، وأهم المدن التي نزل بها، والناس الذين اجتمع بهم في كلِّ مرحلة، وقد عاد منها مع بداية سنة 1304هـ.

أمَّا عن تاريخ الرحلة الحجازية الأولى _نقلاً من ثنايا بعض مؤلفاته_ فيقول: " .. وكتابة العلوم بالقالب(6) فإنه أحدثت سنة ثمان وثلاثين ومائة وألف (1138هـ) فتشاور علماء اسطنبول بينهم مرارًا واتفقت آرائهم على جوازها، وأفتى به قاضي القضاة عبد الله أفندي وأراده السلطان أحمد الغازي، ذكره الشيخ محمد حقِّي بن علي بن إبراهيم التركي الحنفي في "منبع الحقائق" والتقيت معه في مكة عام ألف ومائتين وتسعين تقريبًا (1290هـ/1873م) وكان يُحبني ويقبّل يدي في المسجد الحرام بحضرة الناس، حتى قام عليه الناس ونبَّهوه أنَّني لست من الأشعرية، فترك ذلك خوفًا منهم مع بقاء رغبته فِيَّ .. "(7).

كما أشار إليها أيضًا في جوابه للعُقبي وهو الرّد الشهير بـ"إن لم تعرف الإباضية" إذ فيه

(1) - عادة ما يلقّب الحاج الماكث في الحجاز بالمجاور لبيت الله ومن هؤولاء تلقب الزمخشري صاحب الكشّاف بهذا فيقال له "جار الله الزمخشري".

(2) - يوجد متن السنوسية نظمًا في بعض الكتب الحجرية، أمَّا شرحه من طرف القُطب فلم يصل إلينا بَعد ..

لقاء مع الحافظ الحاج سليمان بكاي، قيّم مكتبة الاستقامة، ببني يسجن، بتاريخ: 17/ 07/2007.

(3) - ويوجد هذا الكتاب مخطوطًا بمكتبة الاستقامة ببني يسجن، رقمه في الخزانة (1): 18، وفي الفهرس: 212، ويقع في 239 صفحة، قياس 27×19سم، كامل، وهو بخط القُطب أطفيَّش _رحمه الله_.

(4) - أحمد بن زِيني دحلان: (1232_1304هـ/1817 - 1886م)، فقيه مكي مؤرخ تولى الإفتاء والتدريس بمكة، وفي أيامه أنشئت أول مطبعة بمكة فطبع فيها بعض كتبه ومات بالمدينة، من تصانيفه: "الفتوحات الإسلامية". ينظر: خير الدين الزركلي، الأعلام، دار العلم للملايين، بيروت، لبنان، ط11، 1995، ج1، ص130.

- … محمد حسب الله بن سليمان المكي الشافعي فهو: (1244_1335هـ/1828_1917م)، فقيه أصولي، من آثاره: "الرياضة البديعة في أصول الدين وبعض فروع الشريعة"، وحاشية على مناسك الحج للخطيب الشربيني. ينظر: نفسه، ج6، ص152.

- … رحمة الله بن خليل الرحمن الهندي الحنفي: (ت: 1303هـ/1888م)، نزيل الحرمين، باحث، عالم بالدين والمناظرة، جاور بمكة وتوفي بها، له كتب منها: "إظهار الحق"، جزآن، وهو من أفضل الكتب في موضوعه. ينظر: نفسه، ج3، ص18.

(5) - محمد حقي بن علي بن إبراهيم النازلي: (1301هـ/1884م)، فاضل متصوف من علماء "آيدين" توفي بمكة، له مؤلفات عديدة منها: "السنوحات المكية" و"تفهيم الإخوان تجويد القرآن". ينظر: السابق، ج6، ص108.

(6) - يعني بداية العمل بالطباعة الحجرية.

(7) - ينظر: القُطب أطفيَّش، الذخر الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى، طح، ص240.

٢ / ١٩