أدب الرحلة عند القطب أطفيش يحيى بن بهون حاج امحمد

أدب الرحلة عند القطب أطفيش

الجزء ١ · صفحة ٣٨

في قصيدته ولم يترك آثارًا نثرية تدل عليها مثلما فعل في الأولى، ولعل ملاحظاته النثرية عنها قد ضاعت مع عوادي الزمن، إلاَّ أنَّ المميز لرحلته الثانية تلك هو ما سجله من الملاحظات التي وردت في ثنايا قصيدته الحجازية المتطاولة، وهو أصدق تعبير وأدق دليل يمكن أن نعلق عليه فنتثبت بذلك صحته.3 - رحلته الثانية من خلال "قصيدته الحجازية":

تذكر معظم المصادر الشفوية المعتمدة أن من أهم بواعث رحلة القطب الثانية إلى الحجاز هو: تصحيحه للمفهوم الخاطئ الذي ساد مزاب ردحًا من الزمن، والذي كان يقضي بعدم السماح للمرأة بالسفر خارج مزاب إلاَّ لضرورة قُصوى مُلحة كالعلاج مثلاً، أمَّا ما سوى ذلك فلا، حتى أُسقِطَ بسبب ذلك الركن الخامس في الإسلام وهو الحج، طيلة عقود من الزمن.

وللإشارة فإن هذه الظاهرة لم تكن بعيدة عن زمن القطب فقد ذكر قبله بعقود قليلة الشيخ إبراهيم بن بِحمان الثميني اليَسجني(1) هذه الظاهرة التي عرفها عصره بمزاب وما حولها، وقد أرجعها إلى تشبُّث الناس بعَرَضِ الحياة الدنيا ونقص الوازع الديني عندهم، فاضحًا تحجُّجَهم وتستُّرهم بانعدام الأمن في الطريق، قائلاً: " .. هذا وإن الناس قد استخفوا بحق الله في الحج في هذا الزمان، فصار عندهم كأنه تطوعٌ وفضيلة، وأسقطوا فرضه وطرحوه بزاوية الهجران، وتقوَّلوا فيه بعض الأقاويل الكاذبة، وتعلَّلوا بالعلل الواهية الساقطة، فقالوا: إن طُرقه مشحونة بالآفات، مسدودة بالمخافات من كل الجهات، أولاَ ينظرون إلى الناس في كل عام يرجعون من زيارة البيت والمقام سالمين الأجساد والأبدان، في كل سبيل وبلد من طوائف الدهر ونوائب الزمان؟! … فلو قيل لهؤلاء إنكم قد ورثتم بمكة أو أقصى بلد منها مثلاً ألف درهم أو مائة دينار، لقطعوا إليها سَهل المفاوز وَوَعرَها آناء الليل وأطراف النهار، وخلعوا عن أنفسهم حينئذ ثياب العجز والكسل، وأسرعوا إليها المشي حُفاة الرؤوس والأرجل، وبلغوا إليها فرحين بلا مهملة وتوانٍ مستبشرين .. "(2).

لعل القارئ يستدل من كلام الشيخ ابن بِحمان على أن الناس بالفعل قد استخفوا بفريضة الحج بسبب الجهل ونقص الوازع الديني، وهو ما بقي عالقًا في اعتقادات الناس إلى زمن القُطب، إلاَّ أنني لا أستبعد كذلك العامل الأمني فهو أحد الأسباب الفعلية المباشرة والقوية لتراجع قوافل الحجاج إلى بيت الله الحرام طيلة عقود من الزمن، فقد كانت بالفعل وفود الحجاج إلى الحجاز تعقد قبل انطلاقها في الرحلة أحلافًا وتجمع إليها ما أمكنها من القبائل في قوافل كبيرة يردون بها وحشية اللصوص والمغيرين الذين لا يرحمون صغيرا ولا كبيرًا، والذين لا يتورعون عن إزهاق الأرواح في سبيل سرقة كلِّ ما خَفَّ وَغَلَى من متاع الحجاج المسافرين.

(1) - إبراهيم بن بِحمان: (ت: 1832هـ/1817م)، عالم جليل عاصر الشيخ ضياء الدين عبد العزيز الثميني، له مؤلفات عديدة ومراسلات تاريخية مهمة مع داي الجزائر حسن باشا الدُّولاتلي بخصوص قضية صالح باي، وله رحلة حجازية أيضا … ينظر: معجم أعلام الإباضية، ج2، ص22.

(2) - إبراهيم بن بِحمان الثميني، مختصر المناسك ومهذب المسالك، مكتبة القُطب، بني يسجن، مخ، ص4، 5.

٦ / ١٩