أدب الرحلة عند القطب أطفيش
الجزء ١ · صفحة ٣٩لقد اصطحب القُطب أطفيَّش في رحلته هذه بعض تلاميذه النجباء المخلصين، كما أخذ معه زَوجَهُ مريامة فرطاس(1)، بعد أن استعان ببعض فَادِيهِ ممن هيَّأ له بغلاً يحمل هودج زوجِهِ، ولعل من أبرز أنصاره وأقربهم إليه في هذه الرحلة الشيخ عمر بن حمو بكلي العطفي وفي رواية مع والده الشيخ حمو بن باحمد بكلي العطفي، غير أني لم أجد ما يثبت ذلك، وقد تكفَّلوا بتوفير معظم ظروف الرحلة ومنها الزاد والسلاح والحماية .. ، غير أن "ساعد القُطب الأيمن" الشيخ عمر بن حمو بكلي كما جاء ذكره ومدح خصاله في بداية القصيدة الحجازية(2)، قد كان له دور أساسي وفعال في نجاح هذه الرحلة الطويلة والشاقة، ولا شك أنَّ سبب اعتماد القُطب على هذا الرجل راجع لما يتمتَّع به هذا الأخير من ذكاء وحصافة في الرأي مع البسالة والإقدام التي ورثها عن أبيه البطل الشيخ حمو بن باحمد بكلّي، وهذا مطلع القصيدة:
01 … هَجَرنَا مَسَاقِطَ الرُّؤُوسِ وَمَا نَرَى … سِوَى الحَجِّ إِنَّ الحَجَّ(3) قَد حَانَ أَنْ يُرَى
02 … وَغَيرَ اعتِمَارٍ وَالزِّيَارَةِ لِلنَّبِي … عَلَيهِ الصَّلاةُ وَالسَّلاَمُ زَهَا التَّرَى
03 … فَلِلَّهِ حَمدٌ حَمدُ فَانٍ لِذِي البَقَا … وَحَمدُ فَقِيرٍ لِلغَنيِّ عَنِ الوَرَى
04 … خَرَجنَا بِضَحوَةِ الخَمِيسِ بِمِثلِ مِا … خَمِيسٍ، وَنَحنُ فِي خَلاَءٍ عَنِ المِرَا
05 … وَفِينَا فَتىَ الفِتيَانِ أَشجَعُ مَن أَرَى … وَأَصدَقُهُم حُبًّا وَأَيقظُ مَن سَرَى(4)
06 … وَأَثقَبُهُم ذِهنًا وَأَطوَلُهُم يَدًا … وَمَجرَى أَبِيهِ(5) فِي شَمَائِلِهِ جَرَى
07 … أَلاَ إِنَّهُ ابنُ السَّيدِ المُنتَخَى عُمَر(6) … تَعَبدَلَ مَرَّتَينِ لِلخَيرِ مَصدَرَا
08 … فَيَا لَيتَهُ فِي صُحبَتِي كُلَّ رِحلَةٍ … إِلى مَكَّةَ الغَرَّاءَ فَاتِحَةِ القُرَى(7)
ولا ندري كم رافق وفد القُطب من أهل بلدته يسجن، إلاَّ أنه يكون قد اختار لموعد رحلته أقربهم إليه وأوثقهم صلة به، لأن الكثير من المعارضين لهذه الرحلة قد وقفوا له بالمرصاد خاصة في مسألة سفر الزوجة خارج مزاب حتى قيل إنَّ هناك من استعد لإيقافه ومنعه من أخذ زوجه معه وإن اضطر في ذلك إلى استعمال قوة السلاح(8).
لقد ضَرَب القُطب لمرافقيه موعدًا هو ضحى يوم الخميس للخروج من يسجن ثم من مُزاب، وقد اختار وقت الضحى لاشتغال الناس بأعمالهم وبساتينهم، كما أنه من عادة الفلاحين
(1) - هي زوجة القُطب الثالثة، من عائلة فرطاس من بني يسجن، لقاء مع الحاج سليمان بكاي، 17/ 07/2007.
(2) - لقد مدحه القُطب كما مدح أهل قريته العطف، الأبيات من 5 إلى 10، ينظر: القصيدة الحجازية.
(3) - إيذان من الشاعر بانطلاق موسم الحج، وبالتالي الرحلة لأداء الركن الخامس من أركان الإسلام.
(4) - السَّرى: كالهُدَى: سَيْرُ عامَّةِ اللَّيْلِ. وفي قول القُطب "وأصدقهم حُبًّا .. " تأكيد على مكانة الشيخ عمر بن حمو في قلب شيخه وأستاذه، وتذكر مختلف الروايات أنه كان يناديه بـ"أمين السِرِّ".
(5) - هو القائد المغوار حمو بن باحمد العطفي، آخر من تولى إمامة للدفاع بمزاب لما أراد بشوشة الزحف على ميزاب قادمًا من وارجلان بعد تخريبها في 1871م. ينظر بتفصيل: دور المزابيين في تاريخ الجزائر، حمو عيسى النوري، دار البعث قسنطينة، ط1، 1970، ج1، ص295 وما بعدها.
(6) - ورد شرح على الهامش هذا نصه: [الحاج عمر بن حمو العطفاوي]، قلت هو ابن الشيح حمو بن باحمد العطفاوي، وقد مر ذكره في التقديم.
(7) - يريد كونها أم القرى كما جاء وصفها بذلك في القرآن الكريم.
(8) - هَمَّ بذلك أفراد من أقاربها، ذكر لي ذلك الحاج سليمان بكاي، في نفس اللقاء بتاريخ: 17/ 07/2007.