الشيخ أطفيش القطب مفسرا يحيى بوتردين

الشيخ أطفيش القطب مفسرا

الجزء ١ · صفحة ٢٢٢

آيات الأحكام أو العقيدة، فنراه يخرجها، وربّما حكم عليها بالضعف أو الغرابة، استنادا إلى مصادر علمية في الموضوع. ومن أمثلة ذلك، نذكر تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاَةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ (البقرة؛177). حيث أشار إلى وجوب النفقة في غير الزكاة، بأدلة من السنة والإجماع، استعرضها ثم أتى إلى حديث يعارض هذا الحكم فأهمله ولم يلتفت إليه(1).

أما إذا جئنا إلى الآيات التي تعالج مسائل العقيدة نجده أشدّ لهجة من الأوّل في نقده الأحاديث وتضعيفها، مثال ذلك نقرأه عند تفسير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ .. ﴾ (القلم؛42). حيث يستعرض الوجوه المختلفة لمعنى الساق، حتى ينتهي إلى أن الآية كناية عن شدة الأمر في ذلك اليوم وفزعه. ويستشهد لذلك من الشعر العربي، ثم يرد على من يفسر الآية بالمعنى الظاهر للساق، استنادا إلى الحديث، ويعتبر أن هذا الحديث مكذوب أو موضوع على رسول الله. - صلى الله عليه وسلم - ولو ورد في الصحيحين(2).

ومن هنا يتّضح لنا سرّ اختلاط الأمر لديه في كتابه الأول هميان الزاد الذي أورد فيه كثيرا من المرويات الصحيحة وغير الصحيحة على سواء، خاصة منها أحاديث فضائل القرآن، التي لا يورد منها أصحاب المسانيد إلا النزر القليل، مما جعل الدارسين يعتبرون أكثرها موضوعا. والشيخ اطفيَّش حين جاء إلى كتابه تيسير التفسير جعله مجردا من هذه الموضوعات أو يكاد(3).

وخلاصة القول مما يمكن أن نلاحظه على منهج الشيخ اطفيَّشْ في التفسير بالسنة، أنّه رحمه الله لم يهمل هذا المصدر بل حاول أن يستفيد منه كغيره من المفسرين. وقد سلك فيه منهج الناقد المتمرس الذي لا يقبل أي خبر يجده في طريقه بل يختار الصحيح منها ويناقش الباقي، فإمّا يرُدّها أو يؤوِّلها. إلاّ أنّه مع ذلك لا يلتزم دائما بتخريج الأحاديث المعتمدة من قبله. وهذا مما يضطر القارئ إلى البحث عن سندها ودرجتها من الصحة.

مصدر التفسير بأقوال الصحابة والتابعين

لقد عُرف الشيخ اطفيَّش في استعانته بتفسير الصحابة رضوان الله عليهم، باحترامه لآراء الصحابة وإجماعهم، إذ لا يتعدى ذلك إلى رأيه واجتهاده. وهذا المبدأ يعدّ أساسيا في مناهج التفسير وأصول الفقه لدى الإباضية(4). كما هو لدى المسلمين كافة. ومثال ذلك نجده عند تفسيره لقوله تعالى من سورة البقرة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالاُنثَى بِالاُنثَى﴾ (البقرة؛178). متمسكا بعمل الصحابة رضوان الله عليهم في كون الحر لا يُقتل بعبد. وهذا بإجماع منهم. فرد على القائلين بغير ذلك مضعّفا دليلهم(5).

ولعل الميزة الأساسية التي يمتاز بها الشيخ اطفيَّش في تعامله مع المأثورات التفسيرية

(1) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 224/ 225.

(2) _ ينظر: تيسير التفسير، ج6، ص 312/ 313.

(3) _ جاء في كتاب "هميان الزاد" كثير من هذه الأحاديث. ولعل الشيخ اطفيَّشْ يوردها، بغرض الترغيب في القرآن الكريم والاعتناء به. ولمّا تفطن لذلك حاول أن يصرفها عن تفسيره "تيسير التفسير". ينظر: هيمان الزاد، ج1، ص164. – ج3، ص471/ 472. – تيسير التفسير، نهاية السور، مع التخريج. ج1، ص 477 (طبعة عمان). – ويراجع بوجه خاص تفسيره لأول سورة يس، حيث ينقل أحاديث ثم ينقدها.: اطفيش محمد بن يوسف، تيسير التفسير، ج4، ص 986/ 987.

(4) _ السالمي عبد الله بن حميد، شرح طلعة الشمس على الألفية، ج2، ص 78/ 79.

(5) _ ينظر: تيسير التفسير، ج1، ص 228.

١٣ / ٢٥